مقدمتها -أي الأخبار- ما رُوي عنه في صدد كتابة وثيقة صلح الحديبية، و منها رواية مسلم عن الصحابي البراء بن عازب [1] .
و قوله هذا غير علمي، و افتراء على الحقيقة، و تغليط للقراء و تدليس عليهم، لأن كل الروايات التاريخية و الحديثية التي ذكرها [2] لا توجد من بينها رواية واحدة صحيحة تُكد أن رسول الله كان يقرأ و يكتب. لكن الجابري لا يُميز بين صحيح الروايات من سقيمها،. فكان يعتمد على كل الروايات التي عثر عليها، و يبني عليها أفكاره من دون جمع شامل و لا تحقيق لها. من ذلك أنه عندما ذكر روايتي مسلم و البخاري المتعلقتين بصلح الحديبية، لم يجمع الروايات الأخرى المتعلقة بنفس الموضوع، و المروية في الصحيحين، و في الكتب الحديثية الأخرى.
و أما استدلاله السادس، فيتمثل في أنه استدل بحديث رواه مسلم و البخاري، و مفاده أنه لما اشتد الوجع بالنبي-عليه الصلاة و السلام- في مرض موته، قال: (( هلموا اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ) )،و في رواية (( ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا ... ) ). ثم أشار الجابري إلى أنه لا أحد من الحاضرين استغرب ذلك القول من رسول الله، حتى أن بعضهم كان يقول: (( قرّبوا يكتب لكم كتابا ) ) [3] .
و قوله هذا لا يصح، لأنه يجب النظر إلى الحديث الذي ذكره انطلاقا من كل النصوص الشرعية المتعلقة بأمية النبي من جهة، و النظر أيضا من جهة إلى مكانة قائله من جهة ثانية. فبالنسبة للنصوص فقد سبق أن بينا - من خلالها- أن رسول الله كان أميا لا يقرأ و لا يكتب. و هذا يُوجب علينا النظر إلى ذلك الحديث- الذي ذكره الجابري- انطلاقا من هذه النصوص، و من ثم فإن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان لا يعرف القراءة و لا الكتابة، مما يعني بالضرورة أن عندما قال (( هلموا اكتب لكم كتابا ) )، كان يقصد أنه سيأمر من يكتب لهم كتابا، لا أنه هو الذي يكتبه بيده.
و أما بالنسبة لمكانة القائل، و هو رسول الله، فهو النبي، و القائد، و الزعيم، و الحاكم، و المربي، و من كان هذه بعض صفاته، فعندما يُروى أنه كتب كذا، و أرسل إلى فلان خطابا، فإن المقصود بذلك أنه أمر بكتابة ذلك. و هذا أمر معروف في حياة الخلفاء و الأمراء و الملوك، إنهم يأمرون ببناء المدارس و الجسور، و المساجد، لكن الناس يقولون: إن هؤلاء هم الذين بنوا ذلك، مع أنهم لم يُمارسوا ذلك بأيديهم.
و الشاهد على ما قلناه أيضا، هو أن الحاكم النيسابوري ذكر رواية عن صلح الحديبية نسبت كتابة وثيقة الصلح إلى النبي-عليه الصلاة و السلام- من بدايتها، فقالت: (( فكتب رسول الله -صلى الله عليه و سلم- بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهل-ممثل قريش- لا نكتب بسم الله الرحمن الرحيم ... ثم تعود الرواية و تذكر أنه
(1) الجابري: المرجع السابق، ص: 86.
(2) ذكرنا بعضها، و سيأتي ذكر الباقي قريبا إن شاء الله تعالى.
(3) الجابري: نفس المرجع، ص: 87.