الصفحة 25 من 157

و أشير هنا إلى أن الجابري لم يكن منهجيا، و لا موضوعيا في تناوله لما يُقال إن الرسول كتب اسمه في صلح الحديبية. فهو لم يجمع كل الأحاديث المتعلقة بصلح الحديبية، و لا قارن بينها، و لا حقق أسانيدها و متونها، و لا رجع إلى الكتب المتخصصة في نقد الأحاديث و تمحيصها و الحكم عليها، ليستعين بها في الموضوع الذي خاض فيه، و لم يُوفيه حقه الذي يستحقه.

كما انه أشار إلى أن رواية البخاري -في صلح الحديبية- فيها زيادة في وصف النبي-عليه الصلاة و السلام-،و هي (( ليس يُحسن أن يكتب ) )،و هي زيادة صحيحة أوردها البخاري حقا. لكن الجابري كان عليه أن يُشير أيضا إلى رواية أخرى أوردها البخاري أيضا حول نفس الموضوع، ذكرت في وصفها للنبي-صلى الله عليه وسلم- بأنه (( كان لا يكتب ) )، بدلا من (( ليس يُحسن أن يكتب ) ) [1] . و عبارة (( كان لا يكتب ) )أكثر وضوحا و دقة من العبارة الأخرى (( ليس يُحسن أن يكتب ) )، التي قد يُفهم منها أن رسول الله كان يعرف الكتابة لكنه لا يُحسنها. و هذا فهم باطل، لأن معناها أنه كان لا يعرف الكتابة. و هذا المعنى هو الذي أشارت إليه عبارة (( كان لا يكتب ) )، التي لم يذكرها الجابري، فلا أدري هل تعمد إغفالها، أو غابت عنه.

و ثانيا إن الجابري غلّط القراء و دلّس عليهم عندما تدخل في توجيه رواية مسلم المتعلقة بكتابة وثيقة صلح الحديبية، و ذلك أنه وضع عبارة (( النبي ) )داخل نص الرواية، وضعها هكذا، قال رسول الله: (( أرني مكانها، فأراه مكانها، فمحاها و كتب(النبي) ابن عبد الله ))هو هنا قد أقحم عبارة النبي في النص، و هذا عمل يشبه التحريف، و مخالف لسياق الكلام، لأن هذه الرواية سبق أن بينا أنها تحتمل أن عليا هو الذي كتب عبارة: محمد بن عبد الله، كما أنها تحتمل أيضا أن النبي- عليه الصلاة و السلام - هو الذي كتب. لذا فإن عمل الجابري بإضافته كلمة: النبي بين قوسين داخل النص، هو نفي فلاحتمال الأول، و إثبات للثاني بطريقة غير علمية، لأنه جعل قرينة من خارج النص و أقحمها فيه ليُرجح الاحتمال الذي يرغب فيه من جهة، و يجعل النص يحتمل احتمالا واحدا، هو أن رسول الله هو الذي كتب عبارة: محمد بن عبد الله. مع ان الصواب هو أن تبقى الرواية تحتمل الأمرين، و البحث عن القرائن و الشواهد الداخلية و الخارجية -من دون تحريف للنص- لإثبات الاحتمال الصحيح. و نحن قد قمنا بذلك فعلا، فأتينا بأدلة كثيرة أثبتنا بها أن احتمال كتابة علي لعبارة: محمد بن عبد الله، هو الاحتمال الصحيح، و ليس الاحتمال الذي قال به الجابري، الذي لم يُقدم دليلا صحيحا على ما ذهب إليه. فعل ذلك ليُِؤثر في القارئ، و يتدخل في توجيه فكره حسب ما يُريده الجابري.

و ثالثا ذكر الجابري أنه توجد روايات و أخبار نُقلت عن الصحابة تُفيد، و بعضها يُؤكد على أن النبي-صلى الله عليه و سلم- كتب و قرأ في بعض المناسبات، و في

(1) نفسه، ج 3 ص: 1162، ج 4 ص: 1551.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت