الصفحة 24 من 157

، فلما محاه النبي-عليه و السلام- واصل علي الكتابة مباشرة و كتب: محمد بن عبد الله. و هذا هو الذي ذكرته بعض الروايات السابقة صراحة، بأن رسول الله قال لعلي: اكتب محمد بن عبد الله. و بعضها أيضا ذكر أن النبي أمر عليا بالكتابة فكتب.

و حتى عبارتي (( كتب ) )،و (( فكتب ) )، اللتين ذكرهما الجابري نقلا عن مسلم و البخاري، فهما لا يُفيدان بالضرورة أن رسول الله هو الذي كتب، و إنما يعني ذلك أيضا أنه أمر الكاتب بأن يكتب فكتب. فعُبر عن ذلك بنسبة الكتابة إلى النبي-عليه الصلاة و السلام-،و ليس هو الذي كتب، إنما هو أمر بالكتابة. و هذا أسلوب معروف في اللغة العربية، كقولنا: بنى السلطان مدرسة، و بنى مسجدا. بمعنى أنه أمر ببناء ذلك، لا أنه بناه بيده.

و منها أيضا- أي القرائن و المعطيات- أن رواية البخاري ذكرت صراحة أن رسول الله كان لا يكتب [1] . و هذا أشارت إليه ضمن رواية صلح الحديبية، الأمر يعني أن لا يصح أن يُفهم منها أن رسول الله هو الذي كتب عندما ذكرت عبارتي: (( وكتب ) )، و (( فكتب ) )، فهذا فَهم يُوقع في تناقض واضح. لأنه لا يصح أن يكون الرسول لا يكتب، و لا يُحسن الكتابة، و ثم هو يكتب!!. لذا فإن المقصود من ذلك هو أن عليا هو الذي استمر في الكتابة بعدما محا النبي-عليه الصلاة و السلام- عبارة (( رسول الله ) ).

و منها أيضا إن رواية البخاري ذكرت أن الرسول-صلى الله عليه و سلم- تناول وثيقة الصلح لمحو عبارة: رسول الله، و كان لا يكتب، و لا يُحسن أن يكتب [2] . و هذا يعني أنه تناول الكتاب لمحو العبارة، و ليس ليكتب العبارة الأخرى، لأنه لا يعرف الكتابة، فكيف يٌقال أنه كتبها؟!. فلما أزالها، واصل علية الكتابة، و هذا هو الفهم الصحيح المنسجم مع السياق، و المعطيات العلمية الصحيحة التي نصت على أن النبي كان لا يعرف القراءة و لا الكتابة.

و منها أن روايتي مسلم و البخاري ذكرتا أنه لما امتنع علي من محو عبارة: رسول الله، طلب منه النبي-عليه الصلاة و السلام- أن يُريه العبارة ليمحوها، فلما أراه أياها محاها. فإذا كان رسول الله لا يعرف و لا يُميز العبارة المراد محوها-و كانت رواية البخاري قد صرّحت بأنه كان لا يكتب- فلا يصح القول بأنه هو الذي كتب تلك العبارة!!

و نحن إذا جمعنا بين هذه المعطيات و القرائن التي ذكرناها في هذا الشاهد- أي الثامن- و بين الشواهد السابقة تبين قطعا أن الرسول-عليه الصلاة و السلام- ما كتب في صلح الحديبية، و لا كان يعرف القراءة و الكتابة، خلاف لما قاله الجابري.

(1) البخاري: الصحيح، ج 3 ص: 1162، ج 4 ص: 1551.

(2) نفسه، ج 3 ص: 1162، ج 4 ص: 1551.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت