الصفحة 40 من 157

رابعا. و نحن سنتتبع مزاعمه و أباطيله المتعلقة بهذا الموضوع، و نُبين تهافتها و بطلانها كلها، إن شاء الله تعالى.

أولا إنه بعدما تساءل: هل المُصحف الموجود اليوم يضم جميع ما نزل من القرآن، أم سقطت أو رُفعت منه أشياء [1] . ثم شرع في ذكر الروايات [2] التي تتعلق بذلك. أولها ما ذكره نقلا عن القرطبي، و مفادها أن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: (( كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله-صلى الله عليه و سلم- مائتي آية، فلما كُتب المصحف لم يقدر منها إلا على ما هي عليه الآن ) ) [3] -أي 73 آية -. فهل هذه الرواية صحيحة؟.

إنها لا تصح إسنادا و لا متنا، فأما إسنادها فقد أورده القرطبي عن أبي بكر الأنباري، الذي قال: و قد حدثنا ابن أبي مريم، عن أبي لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة قالت: ... )) [4] . و هذا الإسناد لا يصح لأمرين، أولهما وجود عبد الله بن لهيعة، و هو ضعيف [5] . و الثاني هو أن هذا الخبر لا يُوجد فيه تصريح بالسماع عند كل الرواة، ففيه عنعنة ابن أبي مريم، و ابن لهيعة، و أبي الأسود. و قد ذكر المفسر المعاصر ابن عاشور أن تلك الرواية رواها القاسم بن سلام، و أبو بكر بن الأنباري بسند ضعيف [6] .

و أما متنها فهو مُنكر، لأنه إذا كان المقصود من تلك الرواية أن سورة الأحزاب سقط منها أكثر من النصف بسب النسخ، فإن النسخ لم يحدث و لا يحدث إلا في زمن النبي-عليه الصلاة و السلام - و على يده فقط. لذا فلو حدث ذلك، فإنه حدث بأمر منه و في زمانه. و لا يصح أن يقال: إنها أُسقطت زمن عثمان عندما كتب المصاحف، و هذا الذي أشارت إليه الرواية [7] . لأنه لا يصح و لا يُعقل أن يُنسخ ذلك العدد الكبير من آيات سورة الأحزاب، و يبقى المسلمون يتلونها إلى سنة 25 هجرية، عندما كتب عثمان المصاحف إلى الأمصار. فهذا باطل، لأن النسخ عندما كان يحدث زمن نزول الوحي، فإن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان يُبلّغ أمته حالا، و ما عليها إلا الالتزام بذلك. و أما الزعم بأنها ظلت تُتلى مع نسخها فهذا باطل بالضرورة الشرعية.

و أما إذا كان المقصود من تلك الرواية أن إسقاط نصف سورة الأحزاب تَمّ زمن عثمان، و لا علاقة له بالنسخ الشرعي، و هذا هو ظاهر الرواية، فهو أمر لا يصح، و لا يمكن قبوله من جهة، و هو اتهام خطير للصحابة و طعن فيهم من جهة أخرى.

(1) الجابري: مدخل إلى القرآن ص: 223.

(2) سنذكر الروايات التي ذكرها، و فيها تصريح بالنفصان و الزيادة بواسطة التحريف، و أما التي تُشير إلى حدوث النسخ فقط، فلا نذكرها، لأن النسخ أمر ثابت شرعا، و حدث فعلا، لقوله تعالى: (( ما ننسخ من آية أو ننسها ... ) ).

(3) الجابري: مدخل إلى القرآن ص: 223.

(4) القرطبي: تفسير القرطبي، ج 14 ص: 104.

(5) الذهبي: الكاشف، دار القبلة للثقافة الإسلامية، حققه محمد عوامة، الطبعة الأولى، مؤسسة علو - جد ة، 1413 - 1992

ج 1 ص: 590.

(6) ابن عاشور: التحرير و التنوير، ج 9 ص: 3311.

(7) الشوكاني: فتح القدير، ج 4 ص: 369.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت