الصفحة 41 من 157

و أما لماذا لا يصح، فإن ذلك يعني أن القرآن أُنقص منه كثير من الآيات، و هذا باطل، لأن الله تعالى تكفل بحفظ في قوله تعالى: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) )-الحجر: 9 - ، و (( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) )- فصلت:41 - 42 - ، و (( الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) )-هود: 1 - . و لأن الصحابة الذين زكاهم الله تعالى، و شهد لهم بالإيمان و العمل الصالح، و جعلهم قدوة للأمة، لا يمكن أن يُقدموا على إسقاط حرف من القرآن. و قد نصت الروايات الصحيحة على أن الصحابة جمعوا القرآن كله زمن الصدّيق، و وحّدوه زمن عثمان بطريقة علمية جماعية حازت إجماع الصحابة كلهم، و قد شملت القرآن كله من دون زيادة و لا نقصان [1] .

و أما إذا قيل: إن المقصود بذلك الإسقاط أو الإنقاص هو أن الصحابة أسقطوا المنسوخ من سورة الأحزاب، فهذا احتمال لا يصح، لأن الرواية لم تُشر إلى ذلك، و لا إلى سبب الإسقاط المزعوم. و لا يُعقل أن يُنسخ أكير من نصف سورة الأحزاب زمن النبي-عليه الصلاة و السلام-، و يبقى المسلمون يتلون هذا المنسوخ بعد وفاته، إلى زمن عثمان- رضي الله عنه- سنة 25 هجرية، أي لمدة 15 سنة. فهذا احتمال لا يصح، و لا يمكن قبوله، لأن النسخ كان يتم في حياة رسول الله و بأمره، فما كان من المسلمين إلا الالتزام بأوامره حالا و بدون تأخر.

و مما يُبطل ذلك أيضا هو أن الرواية نصت على أن عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- هي التي روت ذلك، و كانت على علم بالقسم المنسوخ من سورة الأحزاب، إلى أن أُسقط عندما كتب عثمان المصاحف. و هذا لا يصح في حقها، لأنه يعني أنها كانت تعلم بذلك المنسوخ، و سكتت عنه، و لم تنبه المسلمين إلى ذلك. و هذا كتمان للحقيقة، و تضليل للمسلمين، وإقٌرارهم على مخالفة الشرع الذي نص على ذلك النسخ من جهة. و فيه إساءة لها و للصحابة من جهة أخرى.

و أما الرواية الثانية فمفادها أن الجابري ذكر أن السيوطي- و غيره- قال: إن دعاء القنوت كان من جملة القرآن المنزل على النبي-عليه الصلاة و السلام-،و أنه كان (( سورتين، كل سورة ببسملة و فواصل، إحداهما تسمى سورة الخلع، و الأخرى تسمى سورة الحفد. و رُوي أنهما كانتا في مصحف ابن عباس، و أُبي بن كعب، و ابن مسعود، و أن عمر بن الخطاب قنت بهما في الصلاة، و أن أبا موسى الأشعري كانا يقرأهما ) ). ثم قال الجابري: (( غير أن علماء السنة قد اعتبروهما ضربا من الدعاء لا قرآنا منزلا. و هما بالتتابع (( اللهم إنا نستعينك و نستغفرك و نثني عليك، و لا نكفرك، و نخلع و نترك من يفجرك ) ). و (( اللهم أياك نعبد، و لك نصلي و نسجد، و إليك نسعى و نحفد، نرجو رحمتك، و نخشى عذابك، إن عذابك بالكافرين ملحق ) ) [2] .

(1) سنوثق ذلك لاحقا عندما نتطرق إلى جمع القرآن زمن أبي بكر، و توحيد المصاحف زمن عثمان.

(2) الجابري: مدخل إلى القرآن، ص: 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت