الصفحة 42 من 157

و أقول: أولا إن الجابري ترك الأمر مُلغزا مُعلقا، و كان عليه أن يجمع الروايات المتعلقة بالموضوع و يحققها، و يفصل فيها، لكنه لم يفعل ذلك و كأنه فعله عمدا، ليصل إلى القول بأن القرآن نقُصت منه سُور بأكملها. و الصواب في هذا الموضوع هو أن ذلك الدعاء ليس قرآنا، و لا كان قرآنا و نُسخ، و إنما هو دعاء قاله النبي-عليه الصلاة و السلام-، بدليل الشواهد الآتية:

أولها هو أني تتبعتُ روايات سورتي الحفد و الخلع المزعومتين، في مصنفات علوم القرآن و الحديث، كمصنف عبد الرزاق، و مصنف ابن أبي شيبة، و الاتقان في علوم القرآن، و الدر المنثور للسيوطي، و كتاب الدعاء للطبراني، فلم يصح منها و لا إسناد [1] .

و الثاني هو أنه توجد روايات أخرى بعضها صحيح الإسناد ذكرت ذلك الدعاء على أنه دعاء القنوت، و لم تُشر -من قريب و لا من بعيد- إلى أنه قرآن، و لا هو يمثل سورتي الحفد و الخلع. و من الذين رووا ذلك: يحيى بن معين، و أحمد بن حنبل، و الطحاوي، و البيهقي، و عبد الرزاق، و ابن أبي شيبة، و ابن خزيمة [2] .

و الشاهد الثالث مفاده أن تلك الرواية زعمت أن سورتي الخلع و الحفد كانتا في مصحف أُبي بن كعب، و ابن عباس، و ابن مسعود- رضي الله عنهم-. و هذا لا يصح لأن قراءات هؤلاء الأعلام قد وصلتنا بالتواتر، و هي ضمن القراءات العشرة الصحيحة المُعتمدة، و لا تُوجد فيها سورتا الحفد و الخلع المزعومتان [3] .

و الشاهد الرابع هو أن السورتين المزعومتين لا يُشبهان القرآن تماما، فلا توجد فيهما لغته، و لا روحه، و لا تركيبه، و ذوقه، و لا موسيقاه. فنحن عندما نسمع آية قرآنية واحدة، نعرف أنها قرآن بالسماع و الذوق، و هذا لا نجده عند سماعنا للحفد و الخلع، فهما مجرد دعاء عادي لا غير.

و ثانيا إن الجابري ذكر أن السيوطي قال: إن دعاء القنوت من جملة ما نزل من القرآن، و أنه كان في سورتين. و نقله هذا ناقص، كان عليه أن ينقله كاملا إن كان موضوعيا، و كأنه تعمّد ذلك لأنه يُؤيد زعمه بضياع جزء من القرآن. و السيوطي قال ذلك لكنه نصّ على أن السورتين منسوختان [4] . و نحن لا نوافق السيوطي فيما قاله عن السورتين المزعومتين، و قوله لا يصح، ترده الشواهد

(1) أ نظر: عبد الرزاق: المصنف، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي المكتب الإسلامي - بيروت، 1403،ج 3 ص: 110 و ما بعدها. و ابن أبي شيبة: المصنف، ج 2 ص: 95 و ما بعدها، و ج 9 ص: 89 و ما بعدها. و السيوطي: الاتقان، ج 1 ص: 175، 176، 178. و الدر المنثور، ج 8 ص: 695. و الطبراني: الدعاء، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية - بيروت، 1413 ص: 238.

(2) أنظر: عبد الرزاق: المصنف، ج 3 ص: 110 و ما بعدها. و ابن أبي شيبة: المصنف، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد - الرياض، 1409،ج 2 ص: 95، و ما بعدها ج 9 ص: 89 و ما بعدها. و البيهقي: السنن الكبرى، ج 2 ص: 210. و يحيى بن معين: حديث يحيى بن معين، حققه خالد عبد الله، ط 1، مكتبة الرشيد، الرياض، 1998 ج 2 ص: 154. و ابن القيم: الصلاة و حكم تاركها، تحقيق: بسام عبد الوهاب الجابي، دار ابن حزم - قبرص - بيروت، 1416 - 1996، ص: 248. و الطحاوي: شرح معاني الآثار، تحقيق: محمد زهري النجار، دار الكتب العلمية - بيروت،1399 ج 1 ص: 249. و ابن خزيمة: صحيح ابن خزيمة، ج 2 ص: 155.

(3) السيد أحمد عبد الرحيم: أسانيد القراء العشرة و رواتهم البررة، ط 2، دار الصحابة للتراث، مصر، 2006، ص: 14 و ما بعدها. و راجع أيضا المصحف الشريف حسب القراءات الصحيحة، فلا تجد فيها سورتي الحفد و الخلع.

(4) السيوطي: أسرار ترتيب القرآن، حققه عبد القادر عطا، دار الاعتصام، القاهرة، ص: 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت