التي سبق ذكرها. و لا يُعقل، و لا يصح أن تُنسخ سورتان من القرآن الكريم زمن النبي -عليه الصلاة و السلام- و لا يعلم بنسخهما خمسة من كبار علماء الصحابة المتضلعين في علوم الشريعة، و هم: ابن عباس، و أُبي بن كعب، و ابن مسعود، و عمر بن الخطاب، و أبو موسى الأشعري -رضي الله عنهم-، و لا يُخبرهما أحد من المسلمين. و الأغرب في الأمر أيضا هو أن تلك الرواية ذكرت أن عمر بن الخطاب و أبا موسى الأشعري كانا يقرآن السورتين أمام الملأ. فهل يُعقل أن يتم ذلك و لا ينبههما أحد من المسلمين بأن الآيتين منسوختان؟، فهل كان كل منهما يعيش في جزيرة منفصلا عن جماهير المسلمين؟، و هل يُعقل أن الأمر يظل خافيا عن هؤلاء الصحابة إلى كتب عثمان المصاحف؟. فالحقيقة إذًا هي أن السورتين المزعومتين ليستا من القرآن، و لا نُسختا منه، و إنما هما دعاءان من أدعية النبي -عليه الصلاة و السلام-.
و أما الرواية الثالثة فمفادها أن الجابري ذكر رواية -دون توثيق- مضمونها أن عمر بن الخطاب قال لعبد الرحمن بن عوف: (( ألم تجد فيما أُنزل علينا"أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة"، فأنا لا أجدها. فقال: أُسقطت في ما أُسقط من القرآن ) ) [1] .
و أقول: إن المقصود بالإسقاط في هذه الرواية هو أن تلك الآية نُسخت من القرآن كما نُسخت آيات أخرى، لأن النسخ أمر ثابت شرعا، لقوله تعالى: (( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) )-البقرة: 106 - . لكن مع ذلك فإن الرواية لا تصح، لأن في إسنادها عدم تصريح بالسماع، فقد عنعنه ابن أبي مريم عن نافع بن عمر الجمحي، و عنعنه أيضا نافع بن عمر عن أبي مليكة [2] . و هذا يعني أن الإسناد اتصاله غير ثابت.
و أما متنها فظاهره مُنكر، لأن عبارة (( أُسقطت في ما أُسقط من القرآن ) )مُستهجنة، تشير إلى حدوث أمر غير شرعي؛ فهي عبارة لا تعبّر عن المعنى الصحيح و الشرعي للنسخ في القرآن الكريم، و إنما هي تتسع لمعاني أخرى، و لا تؤدي معنى النسخ في الشرع، المذكور في قوله تعالى: (( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) )-البقرة: 106 - . لذا كان من المفروض-لو صح الخبر- أن يكون جواب عبد الرحمن هكذا: نُسخت فيما نسخه الله تعالى. أو أنسيت فيما أنساه الله تعالى.
و لا يصح أن يُقال: إن عمر بن الخطاب لم يكن على علم بمصير تلك الآية المزعومة، حتى يأتي عبد الرحمن و يُخبره بها. فهذا لا يُعقل لأن عمر بن الخطاب كان من المقرّبين من رسول الله، و كان كغيره من الصحابة كثير القراءة للقرآن. فرجل هذا حاله لا يصح أن يُقال: إنه لم يكن على علم بنسخ تلك الآية زمن النبي-عليه الصلاة و السلام- و ما بعده، حتى سأل عنها عبد الرحمن بن عوف.
(1) الجابري: مدخل إلى القرآن الكريم، ص: 224.
(2) السيوطي: الاتقان، ج 2 ص: 68. و أحمد البرتي: مُسند عبد الرحمن بن عوف، دار ابن حزم، بيروت، 1414، ص: 44.