و أما الرواية الرابعة فقد نقلها الجابري عن السيوطي في كتابه الإتقان في علوم القرآن، و مفادها أن الصحابي مسلمة بن مخلد الأنصاري قال ذات يوم: أخبروني بآيتين في القرآن لم تُكتبا في المصحف، فلم يُخبروه. فقال: الأولى هي (( إن الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبيل الله بأموالهم و أنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون ) ). و الثانية هي: (( و الذين آووهم و نصروهم و جادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم، أولئك لا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين، جزاء بما كانوا يعملون ) ) [1] .
هذه الرواية لا تصح إسنادا و لا متنا، فأما إسنادا فإن من رجاله: عبد الله بن لعيهة، و أبو سفيان الكلاعي [2] ، الأول ضعيف، و الثاني مجهول [3] . و أما متنها فهو ظاهر البطلان، لأنه مُلفق من مجموعة عبارات و آيات قرآنية من جهة، و يرده القرآن نفسه من جهة أخرى لأنه نص على أنه كتاب مُحكم محفوظ، لا يأتيه الباطل أبدأ، و تلك الرواية زعمت أنه أنقص من القرآن تلك الآيتين.
و الرواية الخامسة، مفادها أنه رُوي عن حميدة بنت أبي يُونس أنها قالت: قرأ عليّ أُبي بن كعب و هو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة: (( إن الله و ملائكته يصلون على النبي، يأيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلذموا تسليما، و على الذين يصلون في الصفوف الأولى". ثم قالت: قبل أن يُغير عثمان المصاحف ) ) [4] ."
و هذه الرواية هي أيضا لا تصح إسنادا و لا متنا، فأما إسنادا فإن من رواته: حميدة بنت أبي يونس، و ابن جريج، و حميد بن أبي حميد الطويل [5] . الأولى مجهولة، فلم أعثر لها على أي ذكر في كتب الجرح و التعديل، و لا في كتب المتون و التراجم و التواريخ. و الثاني ثقة، لكنه مُدلّس، و قد عنعن الرواية عن حميد بن أبي حميد الطويل، الذي هو بدوره أيضا كان كثير التدليس، و قد عنعن الرواية عن حميدة بنت أبي يونس [6] .
و أما متنها فمُنكر، و مُستهجن، و لا يصح، لأن عثمان-رضي الله عنه- لم يُغيّر المصاحف، و إنما وحدها و نسخها من المصحف الإمام الذي جمعه أبو بكر-رضي الله عنه-. و هذا القول يتضمن أيضا طعنا في عثمان و تعريضا به من جهة، و هو باطل لأن العمل الذي قام به عثمان هو عمل جليل من جهة أخرى، قام به بعد مشاورته للصحابة و موافقتهم له في ذلك.
و من مظاهر بطلانها أيضا أن الزيادة الملحقة بالآية القرآنية، و هي (( و على الذين يصلون في الصفوف الأولى ) )، ليست قرآنا، و إنما هي حديث نبوي
(1) الجابري: المرجع السابق، ص: 225.
(2) أنظر: السيوطي، الإتقان، ج 2 ص: 68.
(3) عن الأول أنظر: الذهبي: الكاشف، ج 1 ص: 590. و أما الثاني، فلا وجود له في كتب الجرح و التعديل، فيبدو أنه مجهول الحال و العين معا.
(4) الجابري: المرجع السابق، ص: 225.
(5) السيوطي: المصدر السابق، ج 2 ص: 67.
(6) ابن حجر: طبقات المدلسين، تحقيق: د. عاصم بن عبدالله القريوتي، مكتبة المنار - عمان، 1403 - 1983، ج 1 ص: 38، 41.