الصفحة 68 من 157

و هو هنا واصل عمليته التحريفية التي مارسها في تعامله مع الروايات التاريخية و الحديثية، التي أشارت إلى حدوث نسخ في القرآن، و رفع لقسم من ىياته. فسمى ذلك سقطا و ضياعا، و لم يُفرّق بين النسخ الذي أقره الشرع، و بين العمل البشري الذي يُمارس التحريف. فتمسك بذلك، و تعلق بروايات مكذوبة، و بتأويلات باطلة، ليصل إلى القول بضياع شيء من القرآن.

و نفس العمل مارسه مع القرآن، فتمسك بالنسخ و التغيير، و لم يُفرّق بين الفعل الإلهي في النسخ و التبديل لآيات من القرآن، و بين الفعل البشري الذي يُمارس التحريف في القرآن. ثم ادعى أن تلك الآيات -التي ذكرها- تُؤكد حدوث التغيير في القرآن، دون أن يُحدد نوع التغيير الذي يقصده، و تركه مفتوحا ليُدخل فيه كل تغيير مهما كان نوعه و فاعله، كزعمه بضياع آيات من القرآن أثناء جمعه و تدوينه.

و تلك الآيات التي الآيات لا تقرر ما قاله الجابري و يريد الوصول إليه، و إنما هي أكدت على أن الله تعالى فعال لما يريد، ينسخ و يُبدل من كتابه العزيز ما يشاء و يختار، لأنه سبحانه مُطلق الإرادة في فعل ذلك، عن علم و حكمة، و رحمة و كمال، و فعله هذا ليس نقصا، ولا عيبا، و لا تحريفا للقرآن.

لكنه من جهة أخرى ذكر سبحانه و تعالى أن القرآن الكريم مُحكم، و لا يأتيه الباطل أبدأ، و أنه محفوظ مصون، لقوله تعالى: (( الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) )-هود: 1 - ، و (( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) )- فصلت:41 - 42 - ، و (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) )-الحجر: 9 - . فالله تعالى حفظ كتابه من أن يناله أي تحريف بشري بالزيادة و لا بالنقصان، فلا يمكن أبدا أن يناله ذلك. فهذا التغيير هو الذي نفاه الله عن كتابه، و تولى حفظه من أن يناله ذلك، و هذا خلاف التغيير الأول الذي يعني فعل الله في نسخ و تبديل بعض آيات القرآن الكريم. فهذا الفرق هو الذي تناساه الجابري، و لم يُفرّق بين التغييريّن و الفعلين، و زعم أن الفعل البشري التحريفي لا يتعارض مع قوله تعالى: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) )-الحجر: 9 - ، فهذا تغليط و افتراء على القرآن و تحريف له، لأن هذه الآية لا تتناقض مع الفعل الإلهي في النسخ و التبديل، لكنها تتناقض مع القول بتعرض القرآن للتغيير البشري بمعناه التحريفي لآيات الكتاب العزيز.

و يبدو أن الجابري يريد الوصول إلى القول: إنه لا يصح الاحتجاج بتلك بآية (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) )-الحجر: 9 - ، في نفي تعرض القرآن لأي تحريف من زيادة و نقصان، بدعوى أن القرآن يشهد على نفسه بأنه تعرّض للتغيير و التبديل، و لم يحفظ نفسه من ذلك، و من ثم فإن هذه الآية لا تنفي من أنه قد يتعرّض القرآن لتغيير خارجي بشري بمس بعض آياته. و زعمه هذا تغليط و تدليس، و باطل بلا شك، بناه على التلاعب و التأويل الفاسد، و قد سبق أن بينا الفرق بين التغييرين، و نسي أو تناسى أن النسخ و التبديل المذكورين في القرآن هما مظهر من مظاهر الحفظ، فالله تعالى حفظ كتابه بنسخ منه آيات أدت مهمتها. فكان نسخها حفظا للقرآن و ليس تغييرا و لا تحريفا له. فهذا نوع من الحفظ، يُقابله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت