سيحفظ كتابه من أي تحريف إلى الأبد، فهيأ له الظروف التي حفظته على أيدي الصحابة الأمناء الكرام.
و ثانيها عصمة الإجماع، و ذلك أن النبي-صلى الله عليه و سلم- ذكر أن أمته لا تجتمع على ضلالة [1] . و بما أن الأمة أجمعت على الطريقة التي جُمع بها القرآن و دُوّن، و لم تنكر الأمة منه شيئا، فإن هذا يعني أن عملها كان صائبا معصوما من الزلل.
و العصمة الثالثة تتمثل في عصمة الاحتياطات، و الظروف المناسبة، و الاحترازات، و المرجعات التي استخدمها الصحابة في جمعهم للقرآن الكريم، فتمت العملية في ظروف مستقرة جيدة، و برعاية من الدولة، و بطريقة جماعية علمية مضبوطة جمعت بين المحفوظ و المكتوب معا. كل ذلك وفّر للصحابة عصمة بشرية جماعية، تُضاف إلى العصمتين الأولى و الثانية، مما يعني أنه يستحيل أن يتعرض القرآن للتحريف، أو يضيع منه حرف واحد.
و أما قوله الأخير- و هو الخامس- فيتمثل في: (( و هذا لا يتعارض مع قوله تعالى"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"-الحجر: 9 - ، فالقرآن نفسه ينص على امكانية النسيان و التبديل، و الحذف و النسخ. قال تعالى مخاطبا رسوله الكريم:"سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى، إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ) )- سورة الأعلى:6 - 7 -"، و قال:"وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ"-النحل: 101 - ، و قال:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ -الحج: 52 - ، و قال:"مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"-البقرة: 106 - .، و قال:"وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ )) -الرعد:38 - 39 - . ثم قال الجابري: و مع أن لنا رأيا خاصا في معنى الآية، في بعض هذه الآيات، فإن جملتها تُؤكد حصول التغيير في القرآن، و إن ذلك حدث بعلم الله و مشيئته )) [2] .
و أقول: إن الجابري بعدما ذكر روايات كثيرة باطلة حول ضياع آيات من القرآن، و انتهى إلى القول صراحة بأن آيات من القرآن ضاعت منه بسب العامل البشري؛ انتقل هنا إلى القرآن نفسه ليس ليحتج به على بطلان تلك الروايات، و تهافت الرأي القائل بتحريف القرآن، و إنما رجع إليه ليُحرّفه و يُؤيد به رأيه في القول بضياع شيء من القرآن. فاستخدم القرآن لضرب القرآن و القول بتحريفه، بدعوى أنه حدث فيه نسخ و نسيان، و تغيير و تبديل لآيات منه.
(1) سبق توثيق الحديث.
(2) الجابري: مدخل إلى القرآن الكريم، ص: 232.