و بما أن ذلك لم يحدث، و هي لا تجتمع على ضلالة، فإن موقفها هذا دليل قاطع على عدم حدوث أية أخطاء و لا تحريفات في جمعه و تدوينه.
و أما الشاهد الأخير - و هو التاسع- فمفاده أن الذين جمعوا القرآن و دوّنوه و خدموه، هم الصحابة- رضي الله عنهم - الذين أمنوا بالإسلام، و جاهدوا في سبل الله بأموالهم و أنفسهم و أولادهم. هؤلاء يستحيل - عمليا- أن يُفرّطوا في القرآن، أو يُحرّفوه، أو يُهملوه، أو يتهاونون في جمعه و كتابته. لهذا رضي الله عنهم، و شهد لهم بالإيمان و العمل الصالح، و دخول الجنة، و لو لم يكونوا أمناء على كتاب الله حفظا و تدوينا و صيانة، لما شهد لهم بذلك، كقوله سبحانه: (( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) )-الفتح: 18 - ، و (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) )-التوبة: 100 - )) ، و (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) )-النور: 55 - . و بما أن هذا الوعد قد تحقق على أيديهم، فمعنى ذلك أنهم حقا كانوا مؤمنين أتقياء صالحين، و من كانت هذه صفاتهم لا يمكن أن يُحرّفوا كتاب الله، و لا يتهاونون في حفظه و صيانته.
و بذلك يتبن -من الشواهد التي ذكرناها- أن قول الجابري باحتمال أن يكون القرآن قد تعرّض للنقصان و الضياع عند جمعه و تدوينه، هو مجرد احتمال نظري ممكن يُقابله احتمال نظري آخر بامكانية عدم تعرّضه لذلك من جهة، و يُبطله و يُكذبه الشرع و التاريخ الصحيح كما سبق أن بيناه من جهة أخرى.
و أما قوله بأن الذين (( تولوا هذه المهمة لم يكونوا معصومين ) )، فهو نوع من التغليط ليُؤيد به الجابري رأيه باحتمال أن تكون وقعت أخطاء أثناء جمع القرآن و تدوينه. و هذا الاحتمال النظري سبق الرد عليه، كما أنه إذا كانت العصمة تعني عدم الوقوع في الخطأ، فإن عدم العصمة لا تعني أيضا ضرورة الوقوع في الخطأ، و إنما تعني أن عمل الإنسان عرضة للصواب و الخطأ معا، و يمكنه أن يحتاط لنفسه فلا يقع في الخطأ، و بذلك يُمكنه أن يصنع لنفسه عصمة عملية تقوم على كثرة الحرص و الاحتياطات، و التعاون و المراجعات. و هذا هو الذي فعله الصحابة في جمعهم للقرآن و تدوينه، فكان عملهم هذا محفوظا و مُحاطا و موجها بثلاثة أنواع من العصمة، تنسف احتمال الجابري من أساسه:
أولها عصمة الحفظ الإلهي للقرآن، و بما أن الله تعالى أخبرنا أن يحفظ القرآن الكريم، و أنه كتاب مُحكم، و لا يأتيه الباطل أبدأ، فإن هذا يستلزم حتما أنه سبحانه