للعرب المشركين بأنهم أميون، و أن النبي-عليه الصلاة و السلام- جاء ليُعلمهم الكتابة و الحكمة، فهذا وصف عام يغلب عليهم و لا يفيد بالضرورة أن كل فرد منهم كان لا يقرأ و لا يكتب، و إنما قد يُفيد ذلك و قد لا يُفيد، فإذا قلنا -مثلا- إن مجتمعا تمثل فيه الأمية 100 %، فهو مجمع أمي حقا؛ و إذا قلنا أن مجتمعا آخر تُمثل فيه الأمية 95 %، فهو أيضا مجتمع أمي، و لا تخرجه تلك الطائفة المتعلمة من الأمية. و هذا خلاف وصف الفرد الواحد بأنه أمي لا يقرأ و لا يكتب، فهذا وصف صحيح ينطبق عليه بالضرورة، كما هو حال رسول الله-عليه الصلاة و السلام- الذي كان أميا لا يعرف القراءة و لا الكتابة، و يعيش في مجتمع أمي لأن معظم أهله لا يقرؤون و لا يكتبون.
و بذلك يتبين أن معنى الأمي في القرآن الكريم هو عدم معرفة القراءة و الكتابة، ما يعني بالضرورة أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان أميا لا يعرف القراءة و لا الكتابة، خلاف المعنى الذي ذهب إليه الجابري، فهو معنى لا يصح بناه على تأويل فاسد. و لتأكيد ذلك و إثرائه، و قطع الطريق أمام تأويلات الجابري نورد طائفة من الشواهد تُثبت أن معنى أمي في القرآن و اللغة العربية، هو الذي لا يعرف القراءة و الكتابة، الأمر الذي يعني بالضرورة أن محمد -عليه الصلاة و السلام- كان أميا لا يعرف القراءة و الكتابة، خلاف ما ادعاه الجابري في تأويله الفاسد لمعنى أمي و أميين.
أولها -أي الشواهد- يتضمن حديثين، الأول حديث صحيح يقول فيه الرسول-صلى الله عليه و سلم-: (( الدجال أعور بعين الشمال، بين عينيه مكتوب: كافر، يقرؤه الأمي و الكاتب ) )، و في رواية أخرى يقرؤه المؤمن أمي و كاتب )) ،, في أخرى (( يقرؤه كل مؤمن أمي و كاتب ) ) [1] . فالحديث واضح و صريح في أن معنى الأمي هو الذي لا يكتب، و ليس الأمي هو العربي الذي ليس عنده كتاب منزل.
و أما الحديث الثاني فهو حديث ضعيف، لكنه يصلح شاهدا، و يؤيد ما ذكرناه عن الأمي من جهة، و يتقوى معناه بالحديث الصحيح من جهة أخرى. و و مضمونه (( إن الله يُعافي الأميين يوم القيامة، ما لا يُعافي العلماء ) ) [2] . فالأميون مقابل العلماء، بمعنى أنهم لا يقرؤون و لا يكتبون. و ليس الأميون هم العرب مقابل أهل الكتاب، كما أراد أن يُوهمنا به الجابري.
و الشاهد الثاني يتضمن طائفة من أقوال كبار المفسرين في معنى الأمي و الأميين في القرآن الكريم، ابتداء من الصحابة إلى علماء القرن الرابع الهجري،
(1) الحديث صحيح، صححه الحاكم و وافقه الذهبي، و صححه أيضا ابن حبان و شُعيب الأرناؤوط. أنظر: أحمد بن حنبل: المسند، مؤسسة قرطبة - القاهرة، ج 5 ص: 38، ج 3 ص: 207. و ابن حبان: صحيح ابن حبان، حققه شعيب الأرناؤوط ط 3، مؤسسة الرسالة - 1993، ج 3 ص: 229، ج 15 ص: 205. و الحاكم: المستدرك على الصحيحين، ط 1، حققه عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، 1990،ج 4 ص: 574.
(2) ابن الجوزي: العلل المتناهية، ط 1، تحقيق: خليل الميس دار الكتب العلمية - بيروت، 1403،ج 1 ص: 140. و ابن كثير: تفسير ابن كثير، ج 1 ص: 124. و الألباني: السلسلة الضعيفة، مكتبة المعارف - الرياض، ج 7 ص: 155.