الصفحة 11 من 157

مرورا بالتابعين و تابعيهم و من جاء بعدهم. و هؤلاء أهل اختصاص أقوالهم لها حجيتها و مكانتها في الفهم الصحيح للقرآن و في تحديد معاني اللغة العربية. و أقوال الصحابة في ذلك أولى من أقوال من جاء بعده، لأنهم تلقوا التفسير مباشرة من رسول الله من جهة، و لأن القرآن نزل بلغتهم و هم عرب أقحاح أعلم من غيرهم باللغة العربية من جهة أخرى. و التابعون هم أيضا أقوالهم أولى في فهم القرآن و اللغة العربية ممن جاء بعدهم، لأنهم تلقوا ذلك من أعلم الناس بعد النبي-عليه الصلاة و السلام-، و هم الصحابة رضي الله عنهم. و كذلك تابع التابعين فهم أعلم بأقوال الصحابة و التابعين، و باللغة العربية ممن جاء بعدهم، لقربهم من مصدر العلوم الشرعية و اللغة العربية.

و أما أقوالهم في معنى أمي و أميين، فأولها قول الصحابي عبد الله بن عباس -رضي الله عنه-، إنه فسّر عبارة الأميين في قوله تعالى: (( و قل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ) )-آل عمران: 20 - ، بأنهم الذين لا يكتبون. و فسّرها في قوله تعالى: (( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) )-العنكبوت: 48 - ، بأنها تعني الذي لا يقرأ و لا يكتب، و أن الرسول-صلى الله عليه و سلم- كان أميا لا يقرأ و لا يكتب [1] .

و القول الثاني هو للتابعي المفسر الضحاك بن مزاحم (ت 102 هجرية) ، إنه فسّر قوله تعالى (( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) )، بقوله: كان نبي الله لا يكتب و لا يقرأ، و كذلك جعل نعته في التوراة و الإنجيل، إنه نبي لا يقرأ و لا يكتب [2] .

و القول الثالث هو للتابعي المفسر مجاهد بن جبر (ت 103 هجرية) ، إنه فسّر معنى الأميين في قوله تعالى: (( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) )-البقرة: 78 - ، بأنهم أناس من اليهود لا يفقهون الكتاب الذي أنزله الله على موسى-عليه السلام-. و فسّر قوله تعالى: (( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ) )-الأعراف: 157 - ، بأن معناه هو أن رسول الله كان مكتوبا عند أهل الكتاب بأنه (( لا يخط بيمينه و لا يقرأ كتابا ) ) [3] .

و القول الرابع هو للمفسر قتادة السدوسي (ت 117 هجرية) ، إنه فسّر معنى قوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) )-الجمعة: 2 - ، بقوله: (( كانت هذه الأمة أمية لا يقرؤون كتابا ) ). و فسّر قوله تعالى: (( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ) )-الأعراف:

(1) الطبري: تفسير الطبري، ج 3 ص: 214 ج 10 ص: 152. و البيهقي: السنن الكبرى، مكتبة دار الباز - مكة المكرمة، 1414 - 1994 ج 7 ص: 42. و الشوكاني: فتح القدير، ج 1 ص: 492. السيوطي: الدر المنثور، دار الفكر - بيروت، 1993 ج 4 ص: 296. و المناوي: فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، 1356 ج 4 ص: 496.

(2) الطبري: نفس المصدر، ج 10 ص: 152.

(3) نفس المصدر، ج 1 ص: 416، ج 10، ص: 152. و ابن كثير: التفسير، ج 1 ص: 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت