الصفحة 8 من 157

الأخرى التي ذكرها، و إنما وردت في سياق آخر، هو قوله تعالى: (( وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ ) )-العنكبوت: 47 - ، تضمن تقريرا و تأكيدا على أن القرآن كلام الله، و أن محمدا رسوله، و ما كان يقرأ كتابا و لا يكتب شيئا. و هي-أي الآية- قد قررت أمرا عاما مطلقا هو أن رسول الله -عليه الصلاة و السلام- ما كان يتلو أي كتاب، و لا يخط شيئا. و ليس كما زعم الجابري من أن معنى الآية هو أن النبي-عليه الصلاة و السلام- ما كان يتلو أحد الكتابين: التوراة أو الإنجيل. فقوله هذا هو تحريف للآية التي ذكرت الكتاب بالنكرة و ليس بالتعريف، مما يعني أنها تقصد مطلق الكتاب، و ليس كتابا بعينه كالتوراة و الإنجيل كما زعم الجابري. فالآية قررت و أكدت على أمية النبي-عليه الصلاة و السلام- التي معناها أنه لم يكن يعرف القراءة و لا الكتابة مطلقا، و ليس كما زعم الجابري من دون أي دليل يُثبت زعمه، و الآية نفسها شاهدة على بطلان تفسيره.

و واضح من ذلك أن الجابري يريد من تأويله التحريفي الوصول إلى أمر خطير جدا، يقفز من خلاله فوق الآية و يقرر ما يُخالفها، و هو أن النبي -صلى الله عليه و سلم - ما كان يقرأ و لا يكتب التوراة و الإنجيل، لكن الآية لم تنف عنه معرفة القراءة و الكتاب مطلقا، فمن المحتمل أنه كان يقرأ و يكتب غيرهما. و هذا تفسير باطل و مُنكر، و فيه تحريف و تغليط و تدليس.

و ثانيا إن الجابري لم يكتف بتحريف الآية -التي لم يذكر على تأويله لها دليلا صحيحا-،و إنما تسلط على فهم القارئ أيضا ليُوجهه الوجهة التي يريد الوصول إليها. و ذلك عندما قال: فهي وحدها -أي كتب اليهود و النصارى- التي يمكن أن ينصرف إليها اتهام قريش بكونه كان ينسخ منا. و هذا ما تشهد له آيات أخرى ... . و زعمه هذا لا يصح، لأن الآية لم تكن في صدد الرد على قريش كما سبق أن بيناه.

و أما ذكره لقوله تعالى: (( وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) )-الفرقان: 5 - ، و (( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) )-النحل: 103 - ، فالآيتان شاهدتان ضد الجابري، و مُبطلتان لزعمه. لأنه لو كان النبي-عليه الصلاة و السلام- يعرف القراءة و الكتابة ما قالت قريش (( اكتتبها ) )،و (( إنما يعلمه بشر ) )، و إنما تقول: كتبها و تعلّمها بنفسه. و بما أنها قالت: (( اكتتبها ) )، و (( إنما يُعلمه بشر ) )، فهذا دليل قوي دامغ يبطل زعم الجابري من أساسه، و يُثبت أن رسول الله كان فعلا لا يقرأ و لا يكتب.

و ثالثا إن مما يُبطل ذلك الزعم أيضا، أن الله تعالى قال لنبيه: (( فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت