فبلغ ذلك النبي-صلى الله عليه و سلم- و أصحابه، فشق ذلك عليهم، و كان النبي-صلى الله عليه و سلم- يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم )) [1] .
كما أن الله تعالى لم يذكر العرب المخاطبين في الآية بجنسهم و عرقيتهم، كأن يقول: (( هو الذي بعث في العرب ) )و إنما وصفهم بصفة أساسية كانت فيهم و في غيرهم، و هي صفة الأمية التي من معانيها عدم القراءة و الكتابة، و الجهل بالكتاب الإلهي. لذا ذكر الله تعالى مراده من وصفه لهم بالأميين حين قال: (( ُ هو الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ(الجمعة: 2) ،. فهم أميون ليس لأنهم عرب، و إنما هم أميون لأنهم لا يقرؤون و لا يكتبون الكتاب الإلهي، و غيره من الكتب. و هذه الصفة تصدق على كل شعوب العالم مع الاختلاف في نوع الأمية و درجتها.
و بذلك يتبن أن الله تعالى وصف العرب بالأميين ليس لأنهم يُسمون بالأميين، و إنما وصفهم بذلك لأنهم كانوا فعلا أميين من جهتين، أولها إنهم لم يكن لديهم كتاب إلهي، فهم يفتقدونه و لا يقرؤونه، و لا يكتبونه. و الثانية إن معظم العرب كانوا أميين لا يقرؤون و لا يكتبون.، و هذه هي السمة الغالبة عليهم، و لا تنقضها الاستثناءات القليلة التي تشهد على معرفة بعض العرب للقراءة و الكتابة ز فهي استثناءات تؤكد القاعدة و لا تنفيها. و مثال ذلك أنه إذا وجدنا مجتمعا ما فيه 90 % من أهله لا يقرؤون و لا يكتبون، فيصح أن نصفه بأنه مجتمع أمي، و لا ينقص من ذلك وجود 10 % يقرؤون و يكتبون.
و منها أيضا أن الجابري عندما ذكر قوله تعالى: (( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) )-العنكبوت: 48 - ، زعم أن المقصود بذلك الكتاب هو أحد كتب أهل الكتاب: التوراة أو الإنجيل، فهذه الكتب هي وحدها التي يمكن أن ينصرف إليها اتهام قريش بكونه كان ينسخ منها. و هذا ما تشهد له آيات أخرى، كقوله تعالى: (( ما كنت تدري ما لكتاب و ) )، و (( وَقَالُوا أساطيرالْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) )-الفرقان: 5 - ، و (( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) )- النحل: 103 - [2] .
و تفسيره هذا غير صحيح، و فيه تغليط و تحريف و تدليس على القراء، لأنه أولا إن الآية الأولى (( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) )-العنكبوت: 48 - لم ترد في سياق الرد على اتهامات قريش كالآيات
(1) الطبري: المصدر السابق، ج 10 ص: 162.
(2) الجابري: المرجع السابق، ص: 91.