تاريخية ظنية في معنى آية قرآنية واضحة في معناها و سياقها. لأن القرآن هو الحكم على نفسه و غيره، و ليست الروايات هي الحكم عليه.
و بناء على ذلك فإن معنى تلك الآية هو أنها خاطبت جماعة من اليهود من أية إشارة إلى أصلها العرقي. و قد نص على ذلك جماعة من كبار العلماء كمجاهد، و أبي العالية، و إبراهيم النخعي، و الطبري [1] ، من أن تلك الجماعة كانت تجهل التوراة و لا علم لها بها. و هذا جهل عام- حسب الآية - يتضمن الجهل بقراءة التوراة و كتابتها و فهمها. لأن الآية لم تحدد نوع هذه الأمية التي وُصف بها هؤلاء اليهود، و الأمية قد تكون عامة تشمل القراءة و الكتابة، و الفهم و التلاوة، و قد تكون جزئية تشمل جانبا من ذلك فقط. و بما أن الآية لم تحدد نوع هذه الأمية فهي إذن تشمل المعنيين. و بما أن تلك الجماعة من أهل الكتاب، و لم يكن لها علم بالكتاب، فهذا يعني أن معنى الأمي، و الأمية، و الأميين ليس معنى عرقيا خاصا بالعرب الذين لا كتاب لهم، و إنما هو معنى يعني عدم القراءة و الكتابة، ويشمل كل الناس الذين هم على هذه الحالة، و ليس خاصا بالعرب كما يدعي الجابري.
و منها إنه عندما ذكر قوله تعالى: (( َمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) )-آل عمران: 75 - قال: إن المقصود بالأميين هنا هم العرب، و عنى ذلك أنه ليس علينا في غش العرب من حرج [2] . و تفسيره هذا ناقص و فيه تخصيص للآية دون دليل، و هي واضحة في أنهل تحكي موقف أهل الكتاب من غيرهم من بني آدم. و فالأميون المعنيون في هذه الآية هم كل الناس من غير أهل الكتاب، كالمسلمين، و العرب المشركين، و الصابئة، و المجوس، و الهندوس. و هي أيضا لا تشمل العرب عامة، و إنما تشمل العرب المشركين فقط، و لا يدخل فيها العرب الكتابيون، الذين هم أيضا من أهل الكتاب يقرؤونه و يكتبونه، لكن غيرهم من بني آدم فهم أميون أمية كاملة أو جزئية.
و منها أيضا إن الجابري فسّر قوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) )-الجمعة: 2 - ، بأن المقصود بالأميين هم العرب [3] . و تفسيره للأميين بأنه يخص العرب، هو صحيح في أن العرب هم المعنيون بذلك ابتداء، لكنه ليس خاصا بهم فقط، و إنما يشمل أيضا شعوبا أخرى حالها كحال العرب الذين خاطبتهم الآية. فاسم الأميين لا يخص العرب فقط، و غنما يشمل أيضا أناسا آخرين. لذا وجدنا المفسر ابن جرير الطبري عندما فسّر قوله تعالى: (( غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ) )-الروم:2 - 3 - ، قال: ((
(1) الطبري: تفسير الطبري، ... ج 1 ص: 416. و ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج 1 ص: 165.
(2) الجابري: المرجع السابق، ص: 81.
(3) نفسه، ص: 81.