و منها أيضا قوله تعالى: (( وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) )-آل عمران: 20 - ، فقال الجابري في تفسير ذلك: (( الذين أوتوا الكتاب هم اليهود و النصارى، أما الأميون فهم العرب ) ) [1] . و تفسيره هذا ناقص أيضا، لأن عبارة (( الأميين ) )لا تخص العرب كلهم، و إنما تخص المشركين منهم فقط، دون العرب المتهودين و المتنصرين. كما أنها تخص أيضا كل الشعوب التي كانت وضعيتها الدينية تُشبه وضعية العرب المشركين في افتقادهم للكتاب الإلهي و جهلهم به.
و منها أيضا إنه ذكر قوله تعالى (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) )-الجمعة: 2 - ، ثم فسّره بقوله: (( و المقصود: العرب ) ) [2] . و تفسيره هذا ناقص و مرجوح، لأن تتضمن وصفا للقوم الذين بُعث فيهم رسول الله، بأنهم أميون في معظمهم، فجاء الرسول-عليه الصلاة و السلام- ليُعلمهم الكتابة و الحكمة، و ذلك يتضمن تعليمهم القراءة و الكتابة أيضا. فهم أميون ليس لأنهم عرب، و إنما هم أميون لأنهم لا علم لهم بالكتاب الإلهي، و لأن معظمهم لا يقرأ و لا يكتب.
و منها أيضا إنه عندما ذكر قوله تعالى: (( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) )- البقرة: 78 - ، ذكر أن الآية تقصد أناسا من (( العرب اعتنقوا اليهودية، و لا علم لهم بالتوراة، و إنما يختلقون كلاما يقولون: إنه من التوراة ) ) [3] . و تفسيره هذا لا يصح، و مُستبعد جدا، و لا دليل يُثبته. لأن سياق الآية و هو: (( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُون، َوَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ، أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ، وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) )- البقرة: 74 - 74 - ، فالسياق واضح أنه يتكلم عن اليهود عامة، و خصّت طائفة منهم من دون أن تُشير من قريب و لا من بعيد، إلى أن هذه الطائفة هي من العرب الذين تهوّدوا حسب زعم الجابري.
و هو لم يقدم دليلا صحيحا يُثبت ما ذهب إليه. ففسر تلك الآية بناء على رغبته و ما يريده هو منها من دون أي شاهد شرعي و لا عقلي صحيح. لذا فإن الآية و سياقها يردان ما زعمه الجابري، و حتى إذا افترضنا أنه ذكر رواية في سبب نزل تلك الآية تدعم ما ذهب إليه، فهي رواية لا تصح، لأنه لا يمكن أن نُحكّم رواية
(1) نفس المرجع، ص: 81.
(2) نفسه، ص: 81.
(3) نفسه، ص: 81.