الصفحة 64 من 157

أُسقطت من المصحف، و هذا افتراء على الحقيقة، و تغليط للقراء، لأن النسخ ليس نقصا و لا ضياعا.

و ثانيا إن الجابري احتج باحتمال عقلي لتأييد زعمه بأن القرآن قد يكون ضاع منه شيء، فقال: (( و من الجائز أن تحدث أخطاء حين جمعه، زمن عثمان أو قبله ) ). و احتماله هذا هو مجرد احتمال نظري لا يُوجد دليل عقلي و لا عملي على حدوثه في الواقع، و إنما خلافه -بعدم حدوث أي خطأ - هو الثابت شرعا و تاريخا و عقلا، و الدليل على ذلك الشواهد الآتية.

أولها إن الإمكان العقلي لأمر ما، لا يعني بالضرورة أنه حدث في الواقع فعلا. لأن الإمكان النظري شيء، و حدوثه في الواقع شيء آخر. و للتأكد من حدوثه، لا بد من أدلة صحيحة تُثبت حدوثه في الواقع. و الجابري عندما أجاز وقوع أخطاء أثناء جمع القرآن يكون قد أدخل احتماله مجال الإمكان العقلي فقط، و هذا لا يكفي لإثبات حدوث ذلك في الواقع، لأن احتماله هذا، يُقابله احتمال آخر- بنفس الدرجة- بإمكانية أن لا يكون وقع أي خطأ أثناء جمع القرآن. لذا كان عليه أن يُقدم الدليل التاريخي الصحيح على أن احتماله النظري حدث في الواقع فعلا. لكنه لم يقدم دليلا صحيحا يُؤيد به زعمه بحدوث نقص و ضياع للقرآن زمن عثمان و بعده.

علما بأنه إذا كان من الجائز أن يُخطئ الإنسان في أعماله، فمن الجائز أيضا أن لا يُخطئ فيها أصلا، و في الحالتين لا بد من أدلة تُثبت وقوع أحد الاحتمالين في الواقع العملي. فاحتجاج الجابري بالإمكان العقلي ليس حجة في ذاته، و إنما يحتاج إلى دليل صحيح يثبت حدوثه في الواقع.

و الشاهد الثاني -على عدم حدوث ذلك الاحتمال- هو أن كل الروايات التاريخية التي أوردها الجابري، لا توجد من بينها رواية واحدة صحيحة ذكرت أن الذين جمعوا القرآن الكريم وقعوا في أخطاء أدت إلى ضياع بعض القرآن الكريم.

و الشاهد الثالث مفاده أن الله تعالى أخبرنا أنه يتولى حفظ كتابه، و أنه كتاب مُحكم لا يأتيه الباطل أبدا، لقوله تعالى: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) )-الحجر: 9 - ، و (( الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) )-هود: 1 - ، و (( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) )- فصلت:41 - 42 - . و هذا يستلزم حتما أن الله تعالى قد حفظ كتابه حفظا كاملا، و أنه سبحانه قد وَفّق كُتابه و جامعيه من أن يقعوا في أي خطأ، أو نسيان، أو يضيع منهم شيء من القرآن. فهذه رعاية إلهية قطعية تحول دون حدوث أي نقص في القرآن، و هي رعاية ما تزال مُستمرة إلى يومنا هذا.

و أما الشاهد الرابع-على عدم حدوث ذلك الاحتمال- فمفاده هو أن الله تعالى أخبرنا أنه أكمل دينه في قوله سبحانه: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) )-المائدة: 3 - ، و هذا يستلزم أن يكون كتابه المنزل محفوظا كاملا لا نقص فيه و لا زيادة، لأن حدوث خلاف ذلك، بمعنى تعرّضه للتحريف، هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت