الصفحة 63 من 157

و من الجائز أن تحدث أخطاء حين جمعه زمن عثمان أو قبل ذلك. فالذين تولّوا هذه المهمة لم يكونا معصومين، و قد وقع تدارك بعض النقص كما ذُكر في مصادرنا )) [1] .

واضح من كلامه أنه يقول بضياع بعض القرآن، و أن مصحفنا الموجود عندنا ناقص، و قد ضاعت منه آيات سهوا أو عمدا أو بهما معا. و زعمه هذا باطل جملة و تفصيلا، بناه على ظنون و معطيات غير صحيحة أصلا. لأنه أولا زعم أن القرآن قبل توحيده زمن عثمان- رضي الله عنه- كان مُفرقا في الصحف و الصدور، و هذا غير صحيح تماما، و لا أدري من أين جاء به الجابري، فهو لم يُوثق زعمه هذا. و الروايات الصحيحة نصت صراحة على أن القرآن جُمع كله زمن أبي بكر- رضي الله عنه-، اعتمادا على المحفوظ و المكتوب معا. ثم جُمع في مصحف واحد، وظل عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند أبنته حفصة- رضي الله عنهم-، ثم طلبه عثمان، فنسخه من أية زيادة و لا نقصان و أرجعه إليها.،و لم تحدث أية عملية جمع جديدة للقرآن [2] .

فالجابري هنا يتعمد تحريف التاريخ ليجد مبررا للزعم بأن القرآن لم يكن محفوظا حفظا جيدا قبل سنة 25 هجرية، مما يجعله عرضة للضياع و الزيادة و النقصان،. هذا ما يريد الجابري الوصول إليه بتحريفه للتاريخ، و إغفاله للروايات الصحيحة، و تأويله الفاسد لها، و اعتماده على الروايات المكذوبة التي لم يحققها إسنادا و لا متنا. فالروايات كلها عنده سواء، يأخذ منها ما يريد، و يترك منها ما يريد من دون منهج علمي نقدي تحقيقي ز و هذا ليس من العلم و لا من الموضوعية في شيء.

و أما زعم الجابري بأنه (( وقع تدارك بعض النقص كما في مصادرنا ) )، فهذا يعني أنه قد ضاعت من القرآن الكريم آيات لم تُستدرك، و هذا زعم باطل سبق أن بينا بطلانه بالأدلة القاطعة و الدامغة. و بيّنا أنه لم يحدث أي استدراك لآية أو أكثر من القرآن، و إنما الذي حدث هو عمل علمي جماعي تم بأمر من خليفة المسلمين أبي بكر- رضي الله عنه- في ظروف عادية للغاية، جُمع خلالها القرآن كله و لم يسقط منه حرف واحد، و هذا أمر سبق تبيانه و توثيقه.

و هو قد افترى على المصادر عندما قال: (( كما ذُكر في مصادرنا ) )، لأن هذه المصادر التي رجع إليها و ذكر رواياتها، لا توجد فيها رواة صحيحة قالت بأن آيات من القرآن تداركها الصحابة، و أخرى سقطت منهم و ضاعت. فهذا زعم باطل، و قد بينا أن معظم الروايات التي احتج بها، غير صحيحة إسنادا و متنا. و الصحيح منها لم تذكر ما زعمه الجابري، و إنما أشارت إلى أن آيات من القرآن قد نُسخت، و هذا أمر شرعي معروف في دين الإسلام. لكن الجابري يختفي من وراء النسخ و يُؤوّله ليصل إلى القول بأن القرآن ضاعت منه آيات

(1) نفس المرجع، ص: 232.

(2) سبق توثيق ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت