إنه بنى قوله هذا على التغليط و التدليس، و التخمين و الظن، و هو قول لا يصح شرعا و لا تاريخا، لأنه أولا سبق أن بينا أن الروايات التي اعتمد عليها في قوله بتحريف القرآن هي روايات باطلة إسنادا و متنا، و الصحيح منها لا علاقة له بذلك الزعم. و بينا أن النسخ لا يصح تسميته إسقاطا و لا ضياعا، و هو أمر تم على يد رسول الله و في زمنه، على مسمع و مرأى من الصحابة. لكن الجابري مُصر على تسمية النسخ بأنه إسقاط، ليختفي من ورائه في إثارة الشكوك و الشبهات، من جهة، و الطعن في القرآن و الصحابة الذين جمعوه من جهة أخرى.
و أما زعمه بأن سقوط آية أو بضع آيات أثناء جمع القرآن بأنه أمر معقول و عادي، فهو قول باطل مردود، و غير معقول، و ليس عاديا. لأن القرآن يختلف عن كل كتب العلم، و جُمع بطريقة علمية موضوعية دقيقة و مضبوطة، على أيدي جماعة مؤمنة مُخلصة، تقية متخصصة، مارست عملها في ظروف سياسية و اجتماعية و فكرية عادية للغاية، في ظل خلافة راشدة مُمثلة للأمة و مُتحدة معها، و قبل كل ذلك توفر الرعاية و التوفيق الإلهيين للصحابة، لأن الله تعالى تكفل بحفظ كتابه، و أخبرنا أنه لا يأتيه الباطل أبدا. فعملية تتم في بتلك الطريقة، و في تلك الظروف لا يمكن أن يدخلها نقص و لا خلل، و لا يمكن أن يضيع فيها حرف من القرآن الكريم.
لكن الجابري عكس الأمر من جهة، و هوّن من دعوى سقوط أية أو بضع آيات من القرآن من جهة أخرى و جعل ذلك أمرا عاديا للغاية، فهو مقبول و مُبرر، و لا حرج فيه. فعل ذلك بطريقة تغليطية تدليسية ليجعل النفوس تتقبل افتراءه و مغالطته تدريجيا، حتى تصل إلى القول بتحريف القرآن صراحة، و رفضه كلية. و تبدأ العملية هكذا: فبما أن القرآن حدث فيه نقص، و ضاع منه قليل من الآيات، فمن الممكن أيضا أن تكون آيات كثيرة سقطت منه و لا علم لنا بها. و بما أن ذلك حدث فمن الممكن أن بعض الصحابة تعمد فعله، و من الجائز أن بعضهم أدخل فيه ما ليس منه. و بما أن كل ذلك حدث أو قد يحدث، فهذا يجعلنا نشك في القرآن كله، و لا يصح الاحتجاج به و لا الالتزام به، لأن المنطق يقول: إذا دخل الاحتمال سقط الاستدلال. و بذلك ينتهي بنا زعم الجابري إلى إنكار القرآن و الكفر به. فيكون بذلك قد ارتكب جريمة كبيرة في حق القرآن الكريم، من دون أي دليل صحيح من الشرع، و لا من التاريخ، و لا من العقل من جهة. و يكون قدّم نفسه نموذجا سيئا للطاعنين في القرآن بالتحريف و التغليط بالتأويل التحريفي من جهة أخرى. ... .
و أما قوله الرابع فمفاده أن الجابري حاول أن ينفي عن نفسه القول بتحريف القرآن من جهة، لكنه قال به من جهة أخرى، و ذلك أنه قال: (( و خلاصة الأمر ليس ثمة أدلة قاطعة على حدوث زيادة أو نقصان في القرآن كما هو في المصحف بين أيدي الناس منذ جمعه زمن عثمان. و أما قبل ذلك فالقرآن كان مُفرقا في صُحف و في صدور الصحابة، و من المؤكد أنه ما كان يتوفر عليه هذا الصحابي أو ذاك من القرآن مكتوبا أو محفوظا، كان يختلف عما كان عند غيره كما و ترتيبا