القراءات هو من الضعيف و الموضوع المكذوب الذي لا يصح أصلا [1] . و نحن قد سبق أن تتبعنا الرويات الست التي ذكرها الجابري، و بينا أن معظمها لا يصح إسنادا و لا متنا. و قد تتبعتُ روايات كتاب المصاحف لابن أبي داود، فتبين لي أن من بينها أكثر من 160 رواية غير صحيحة، بعضها ضعيف، و بعضها الآخر موضوع [2] . علما بأنه لا يُوجد من بين علماء أهل السنة من قال بأن القرآن تعرّض للتحريف بالزيادة أو بالنقصان أو بهما معا.
و أما موقف الشيعة، فقد ذكر الجابري نصوصا من كتبهم المعتمدة عندهم، نصّت صراحة بتعرض القرآن للتحريف الواسع بالزيادة و النقصان. و أشار إلى أن بعض علمائهم أنكر ذلك [3] . لكنه -أي الجابري- لم يتنبه إلى أن قول بعضهم بعدم التحريف هو مظهر من مظاهر التقية التي يُمارسها الشيعة، فهي أصل من أصول مذهبهم يستخدمونها في حوارهم مع السنيين. و إلا فإن قولهم بتحريف القرآن هو من ضروريات مذهبهم، لأن مذهبهم لا يثبت بالقرآن إلا إذا قالوا بتحريفه، و أنه حُذفت منه الآيات التي تنص على مذهبهم الإمامي. و هذا زعم باطل ينقضه القرآن الكريم، و الروايات الحديثية و التاريخية الصحيحة الموافقة للقرآن نفسه.
و بما أننا قد انتهينا من تتبع الروايات التي أوردها الجابري كشواهد على زعمه بتعرض القرآن للتحريف، و التي لم تصح و لا رواية واحدة منها. فما هو موقف الجابري الحقيقي و الصريح من هذا الأمر؟.
إنه لم يكن صريحا واضحا في موقفه النهائي، إنه تارة يُلمّح، و تارة يفترض الاحتمالات، و تارة أخرى يُغالط و يُدلّس، و يُؤوّل و يختفي وراء النصوص الشرعية. لكن يمكننا معرفة موقفه النهائي من تتبع إشاراته و تلميحاته و استنتاجاته. لذا سنذكر طائفة من أقواله تساعدنا على معرفة ذلك.
أولها إنه تساءل بقوله: هل المصحف الإمام الذي جُمع زمن عثمان يضم القرآن كله: جميع ما نزل من آيات و سور، أم أنه سقطت منه أو رُفعت منه أشياء حين جمعه [4] ؟. فأجاب عن ذلك بجواب عام مفاده أن جميع علماء الإسلام -على اختلاف تخصصاتهم- يعترفون بوجود آيات و ربما سُور سقطت، و لم تُدرج في المصحف، لأنها منسوخة. ثم شرع في ذكر أنواع الإسقاط و النقص [5] ،و هي التي سبق أن ناقشناه فيها، و رددنا عليه من خلالها.
و نحن نرى أمرا آخر، هو أنه إذا كان سؤال الجابري يتعلق بالآيات المنسوخة كما أجاب هو عن ذلك. فإن سؤاله هذا لا يصح طرحه أصلا، لأنه في غير محله، و لا جدوى منه، و هو عبث، لأن جوابه معروف مسبقا شرعا و تاريخا و عقلا
(1) أنظر مثلا: ابن حجر: العجاب في بيان الأسباب، تحقيق: عبدالحكيم محمد الأنيس، الطبعة الأولى، دار إبن الجوزي - الدمام، 1997 ج 1 ص: 223، 225، 336، 337. و السيوطي: الإتقان، ج 1 ص: 95، 96، 148، 132، 148، 161، 207، ج 2 ص: 520 ن 524. و الزركشي: البرهان في علوم القرآن، دار المعرفة - بيروت، 1391 ج 1 ص: 432، ج 2 ص: 156، ج 4 ص: 216، 319.
(2) تمّ ذلك بناء على تحقيق المحقق محمد بن عبده لروايات الكتاب.
(3) الجابري: المرجع السابق، ص: 226 و ما بعدها.
(4) نفس المرجع، ص: 223.
(5) نفسه، ص: 223.