الصفحة 58 من 157

حدث للقرآن زمن أبي بكر ليس هو مجرد تجميع للصحف التي كُتب فيها القرآن، و إنما هو أيضا تكوين لمصحف جديد كتابة و تنظيما، عُرف بالمصحف الإمام. و الدليل على ذلك الشواهد الآتية:

أولها إن رواية البخاري الأولى -المتعلقة بجمع القرآن زمن الصدّيق- ذكرت أن زيدا قال: (( فقدتُ آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف ... ) ). فهو إذًا قد جمع الصحف -المتنوعة الأحجام و الأنواع- و أعاد نسخها في مصحف واحد.

و ثانيها هو أن الخليفة عثمان بن عفان- رضي الله عنه- عندما أراد توحيد المصاحف طلب من أم المؤمنين حفصة المصحف الإمام، فنسخه و أعاده إليها [1] . و هذا يعني أن القرآن الكريم أُعيد نسخه في مصحف واحد يمكن حمله و نقله و إرجاعه. و لو أُبقي القرآن في الصحف التي كُتب فيها زمن النبي-عليه الصلاة و السلام- لما أمكن نقله في كتاب. لأن المواد التي كُتب فيها كانت متنوعة الأحجام و كثيرة المواد، من صلبة و لينة، كالعظام، و الأحجار الرقيقة، و الجريد، و الرقاع، و القراطيس. فلو جُمعت هذه المواد الجامعة لكل القرآن لتكونت كومة كبيرة يصعب حملها و لا يمكن تكوين مصحف منها، و لا تصفحه. و هذا كله يستلزم أن القرآن عندما جُمع زمن أبي بكر أُعيد نسخه في مصحف واحد مُكوّن من مواد لينة و رقيقة كالجلد و الورق.

و الشاهد الثالث يتمثل فيما رواه ابن حجر العسقلاني و جلال الدين السيوطي، فذكر الأول أن القرآن عندما جُمع زمن أبي بكر أُعيدت كتابته في قراطيس [2] . و ذكر الثاني أن القرآن بعدما كان مُفرقا جُمع زمن أبي بكر في أوراق، و ضُم في مصحف واحد، و رُبطت أوراقه بخيط حتى لا يضيع منها شيء [3] .

و أما ما حدث للقرآن زمن عثمان- رضي الله عنه- فهو ليس كما ذهب إليه الجابري، و إنما هو عملية نسخ للمصحف الإمام في مصاحف جديدة حسب الأمصار من جهة، و هو أيضا توحيد له و لرسمه و لقراءاته من جهة ثانية. و هذا أمر صرّحت به رواية البخاري السابق ذكرها، لكن الجابري أغفل ذلك.

و أُشير هنا إلى أن الجابري قال باحتمال أن يكون القرآن قد ضاعت منه آيات، و رجّحه. ثم ذكر موقف أهل السنة و الشيعة من: هل سقطت من القرآن آيات أم لا؟، فذمر أن السنيين قال بعضهم بأن ما سقط من القرآن هو من المنسوخ، و أنكر آخرون أن (( يكون ذلك من النسخ، و قالوا: إن ما ذُكر من الزيادة و النقصان في القرآن يرجع إلى خبر الآحاد، و أن القرآن لا يثبت بها، و إنما يثبت بالتواتر ) ) [4] .

و قوله هذا صحيح، فقد قال به علماء سنيون، لكن كلامه هذا ناقص، لأن السنيين قالوا أيضا: إن كثيرا مما يتعلق بتاريخ القرآن شكلا و مضمونا، كالنسخ و

(1) البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 1908.

(2) فتح الباري، ج 9 ص: 16.

(3) الإتقان في علوم القرآن، ج 1 ص: 164.

(4) الجابري: المرجع السابق، ص: 226.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت