الصفحة 57 من 157

معمر بأن يخطب في الجيش، فكان مما قاله لهم أنه ذكّرهم بقوله تعالى: (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) )-الأحزاب: 23 - [1] . و عندما أرسل الخليفة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- رسالة إلى قائده أبي عبيدة بن الجراح تتعلق بالجهاد، كان مما جاء فيها أنه ذكّره بقوله تعالى: (( عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ) ) [2] . فهل يصح بعد هذا أن يُقال: إن تلك الآية كانت مفقودة، و نسيها المسلمون، و لم يتذكرها إلا زيد بن ثابت عندما وحّد المصاحف زمن الخليفة عثمان سنة 25 هجرية؟!. ألم تكن تلك الآية منتشرة بين المسلمين قبل سنة 25 هجرية؟. و أليس هذا الزعم من الأباطيل و المضحكات؟!.

و الشاهد السابع هو أن موقفنا الذي ذكرناه من أن رواية البخاري الثانية لا تتعلق بحادثة واحدة فقط، و إنما تتعلق بحادثتين منفصلتين زمانا و موضوعا و ظروفا، قد قال به بعض أهل العلم المتقدمين، كالخطيب البغدادي، و ابن حجر العسقلاني. فذكرا أن الراوي إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع هو الذي تصرّف في رواية الشهاب الزهري [3] -التي أوردها البخاري في صحيحه-. بمعنى أنه هو الذي أدمج روايتين في رواية واحدة.

و منهم أيضا الحافظ ابن كثير، إنه تنبه إلى الخلل الذي حدث في رواية البخاري الثانية، و فصل القسم الثاني منها عن القسم الأول، فقال: (( و أما ما رواه الزهري عن خارجة عن أبيه في شأن آية الأحزاب، و إلحاقهم إياها في سورتها، فذكره لهذا بعد جمع عثمان فيه نظر. و إنما هذا كان حال جمع الصديق الصحف كما جاء مُصرحا به في غير هذه الرواية عن الزهري عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت. و الدليل على ذلك إنه قال: فألحقناها بسورتها من المصحف. و ليست هذه الآية مُلحقة في الحاشية في المصاحف العثمانية ) ) [4] .

و بذلك يتبين - من تلك الشواهد- أن القسم الثاني من رواية البخاري الثانية هي رواية مستقلة عن القسم الأول، و ترتبط بجمع زيد للقرآن زمن أبي بكر، و لا ترتبط بتوحيده زمن عثمان. و بذلك يسقط فهم الجابري و استنتاجه منه، و يتبين أن القرآن الكريم كان كاملا عندما جمعه أبو بكر الصديق- رضي الله عنه-، فلم تنقصه آية، و لا كلمة، و لا حرف، لأن الله تعالى تولى حفظه، فوفر له الظروف التي حفظته زمن النبي-عليه الصلاة و السلام-، و صحابته، و من جاء بعدهم إلى يومنا هذا.

و أما قول الجابري بأنه يُستفاد من رواية البخاري الثانية بأن جمع القرآن زمن أبي بكر اقتصر على جمع الصحف، بينما كان جمعه في عهد عثمان عبارة عن ضم لتلك الصحف، و جعلها في مصحف واحد. فهو استنتاج لا يصح، لأنه ما

(1) الواقدي: فتوح الشام، ج 1 ص: 299.

(2) نفس المصدر، ج 1 ص: 178.

(3) ابن حجر: فتح الباري، ج 9 ص: 20.

(4) ابن كثير: فضائل القرآن، ص: 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت