الصفحة 56 من 157

حدثت أية نقائص، أو أُهملت آيات أو أُسقطت من المصحف الإمام ما سكت هؤلاء، و لتدخلوا فورا لتدارك الأمر. و بما أن ذلك لم يحدث [1] ، دل هذا على أن القرآن قد جُمع كله زمن أبي بكر.

و أما الشاهد الرابع فيتمثل في أن كثرة الصحابة القراء المتخصصين في القرآن حفظا و تلاوة و رسما [2] ، و شدة اهتمام الصحابة بالقرآن و تعظيمهم له، و حرصهم على تبليغه إلى كل بني آدم، كل ذلك يجعل الاهتمام بالقرآن -كتابة و حفظا- أمرا ضروريا يحول دون حدوث أي نقص و لا زيادة فيه.

و الشاهد الخامس مفاده أن آية (( من المؤمنين رجال ... ) )نزلت في اللذين اُستشهدوا في غزوة أحد سنة 3 للهجرة، نزلت في أنس بن النضر و أصحابه الذين استشهدوا معه. و قد سأل الصحابة رسول الله عن هذه الآية [3] . فهل يُعقل أن هذه الآية التي شهد الصحابة نزولها على شهداء بدر، و سمعوها من رسول الله، و سألوه عنها، أنها تغيب عنهم أو ينسوها عندما جُمع القرآن زمن أبي بكر، ثم يستمر نسيانهم لها مدة 14 سنة؟؟!!. إن هذا لا يمكن أن يحدث على أرض الواقع.

كما أن قول زيد - رضي الله عنه-: (( فقدتُ آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنتُ أسمع رسول الله - صلى الله عليه و سلم- يقرأها ) )لا يعني أنه نسيها كلية، و لم يكن الصحابة على علم بها، و إنما يعني أنه لم يجدها مكتوبة في نسخها الأصلية التي كُتبت بين يدي رسول الله، حتى وجدها مكتوبة عند الصحابي خزيمة بن ثابت. و إلا فهو -و غيره من الصحابة- كان يحفضها و سمعها من النبي-صلى الله عليه و سلم- كما صرّح هو بذلك، و يُِؤيد ذلك أيضا أنه لم يثق: نسيتُ، و إنما قال: فقدت، مما يعني أنه فقدت شيئا ماديا مكتوبا. و يُؤيد ذلك أيضا أنه قال، فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف.، مما يُشير إلى أنه فقد المكتوب لا المحفوظ، فعندما وصل إلى التدوين لم يجد النسخة الأصلية لتلك الآية التي كان يحفظها.

و الشاهد السادس مفاده أن المسلمين فيما بين سنتي: 11 - 25 هجرية -أي ما بين جمع القرآن زمن الصدّيق و توحيده زمن عثمان- كانت آية (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) )-الأحزاب: 23 - معروفة لديهم، و متداولة بينهم. فمن ذلك أنه في معركة القادسية سنة 14 للهجرة، كان احد المسلمين يُعانق فرسه و يتلو قوله تعالى: (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) )-الأحزاب: 23 - [4] . و عندما فتح القائد المُظفر أبو عبيدة بن الجراح (ت 18 هجرية) -رضي الله عنه- منطقة غزاز أمر الشاعر ربيعة بن

(1) ما ذكرناه مأخوذ من رواية البخاري في الصحيح، ج 4 ص: 1720. و ما يُخالفها فهو لا يصح.

(2) سنوثق ذلك لاحقا.

(3) البخاري: ج 3 ص: 1032. و الترمذي: السنن، ج 5 ص: 350. و الألباني: صحيح ابن ماجة، ج 1 ص: 27.

(4) البيهقي: شعب الإيمان، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية - بيروت، 1410 ج 4 ص: 51. و ابن المبارك: الجهاد، التونسية للنشر - تونس، 1972 ص: 109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت