كما أن ذلك الزعم يعني أن الأمة اجتمعت على خطأ و ضلال مدة 14 سنة حتى استدركت بعض القرآن، و بقي بعضه ضائعا إلى يومنا هذا، مما يعني أنها ما تزال على ذلك الخطأ و الضلال إلى وقتنا الحاضر. و هذا زعم باطل مخالف للحديث النبوي الذي نصّ على أن أمة الإسلام لا تجتمع على ضلال [1] .
و أما عقلا، فلا يصح في العقل أن أمة الإسلام التي هي أمة العلم و الجهاد التي كان فيها عدد كبير يحفظ القرآن كله، و كثير القراءة له، تنسى أية من القرآن مدة 14 سنة، فهذا لا يمكن أن يحدث، خاصة إذا علمنا أن هذه الآية المزعوم أنها نُسيت، تتعلق بالجهاد الذي هو من أساسيان دين الإسلام، و قد ضرب فيه المسلمون أروع البطولات، و به أطاحوا دولتي الفرس و الروم، فكانت لهم تلك الآية محركا قويا للجهاذ و الموت في سبيل الله، فهي تقول لهم: (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) )-الأحزاب: 23 - . إن آية كهذه لا يمكن أن تنساها أمة الإسلام 14 سنة.
و الشاهد الثالث يتمثل في أن جمع أبي بكر للقرآن شمل القرآن كله، و بما الأمر كذلك فإن آية (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) )-الأحزاب: 23 - ، كانت قد جُمعت فعلا و لم تُنس. و الشاهد على ذلك الأدلة الآتية: أولها إن أبا بكر- رضي الله عنه- أمر زيدا بجمع القرآن كله و ليس بعضه، فقال له: (( فتتبع القرآن فاجمعه ) ) [2] . و الثاني هو أن جهود زيد في جمعه للقرآن من الصدور و المدونات، و حرصه الشديد على ذلك، هو دليل قوي على أنه جمع كل القرآن، خاصة و أنه كان يحفظه كله، فلو ضاع منه شيء أو نسيه لذكر ذلك و استمر في البحث عنه. فلما افتقد آية -كان يحفظها و سمعها من رسول الله- بحث عنها حتى وجدها مكتوبة عند ذلك الصحابي. و الثالث هو شهادة علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- إنه يقول فيها: (( أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر. إن أبا بكر أول من جمع القرآن بين لوحين ) ) [3] . فهذه شهادة عامة تشمل كل القرآن، فلو كان نقُص منه شيء لأشار إلى ذلك علي بن أبي طالب.
و الدليل الرابع هو أنه عندما وَحّد عثمان بن عفان- رضي الله عنه- المصاحف نصّت رواية البخاري- و غيره- على أن الذين تولّوا تلك العملية نسخوا المصاحف من المصحف الإمام الذي جمعه الصدّيق، و كان عند حفصة أم المؤمنين، ثم أرجعوه إليها، و لم يُدخلوا في المصاحف المنسوخة شيئا لم يكن موجودا في المصحف الإمام، و لا قاموا بعملية جمع جديدة للقرآن الكريم. فهذا دليل قوي دامغ على بطلان زعم الجابري.
و الدليل الخامس يتمثل في أنه عندما جُمع القرآن زمن أبي بكر- رضي الله عنه- لم تحدث أية معارضة، و لا ظهرت أية انتقادات من الصحابة لعملية الجمع. فلو
(1) الألباني: السلسلة الصحيحة، ج 3 ص: 319.
(2) البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 1720.
(3) الرواية حسنة، و قد حققها محمد بن عبدة محقق كتاب المصاحف لابن أبي داود، ص: 48.