عليه بنى استنتاجه. و هنا حدث الخطأ، إما لأنه لم ينتبه إلى الأمر، أو أنه تعمد إغفاله ليصل إلى زعمه بضياع بعض آيات القرآن.
و إذا كان الأمر على ما قررناه، و زعم الجابري لا يصح، فما هي الأدلة التي تُثبت ذلك؟. إننا سنثبتُ ما قلناه بالشواهد القوية الآتية: أولها يتمثل في قول زيد بن ثابت-رضي الله عنه-: (( فقدتُ آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، فكنتُ أسمع رسول الله يقرأها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ) ).فقوله هذا شاهد قوي على أن الأمر يتعلق بعملية جمع للقرآن التي تمت زمن أبي بكر، و لا يتعلق بعملية توحيد المصاحف زمن عثمان، لهذا قال: (( فقدتُ آية من الأحزاب ) )، فالرجل كان يقوم بعملية جمع للقرآن، و هذه لم تحدث إلا زمن أبي بكر-رضي الله عنه-، و هو قال: فقدت ُ، و لم يقل: نسيتُ، مما يعني أنه فقد شيئا ماديا مكتوبا.
كما أن قوله: (( ، فكنتُ أسمع رسول الله يقرأها ) )هو دليل آخر قوي على أن عمله تمّ في وقت قريب العهد من وفاة رسول الله -عليه الصلاة و السلام-، و هذا لا يصدق على ما حدث زمن عثمان، و إنما يصدق على جمع القرآن الذي حدث زمن خلافة أبي بكر، في سنة 11 هجرية التي تُوفي فيه رسول الله. و لا يصح أن يٌقال: إن زيدا قال ذلك أثناء توحيد المصاحف زمن عثمان- رضي الله عنه-. فأين كان مدة 14 سنة، من 11 إلى 25 هجرية؟!. و بما أنه كان يحفظها، و يسمع النبي-عليه الصلاة و السلام- يقرأها، فلماذا لم يكتبها في المصحف الإمام زمن أبي بكر؟. و لا يصح أن يُقال: ربما زيد نسيها. فهذا أمر لا يُنسى بهذه الطريقة، لأن الرجل كان يحفظ القرآن كله، و متخصصا فيه رسما و تلاوة و فهما، و لا يمكن-واقعيا- أن ينساها مدة 14 سنة، و لا يتذكرها. و أين كان الصحابي خزيمة بن ثابت الذي كانت تلك الآية عنده؟. فهل يُعقل أن تبقى الآية عنده 14 سنة من دون أن يُخبر بها؟!. فكل ذلك يُثبت أن تلك الآية بجمع القرآن زمن أبي بكر، و ليس بتوحيده زمن عثمان.
و الشاهد الثاني يتمثل في أن القول بأن آية (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) )-الأحزاب: 23 - ألحقت بالمصحف سنة 25 هجرية عندما وحده عثمان، هو قول يعني أن القرآن ظل ناقصا 14 سنة، و لم تنتبه إليه الأمة إلا عندما وُحد في تلك السنة. و هذا قول باطل شرعا و عقلا. فأما شرعا فإن القرآن الكريم نص ّ صراحة على أن الله تعالى حفظ كتابه، و إنه لا يأتيه البطل أبدا، في قوله تعالى: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) )-الحجر: 9 - ، و (( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) )- فصلت:41 - 42 - ،و هذا يعني بالضرورة أن النبي-صلى الله عليه و سلم- ترك القرآن كاملا لا نقص فيه، و أنه لم يتعرض بعده إلى أي نقص و لا زيادة و لا تحريف.