الصفحة 53 من 157

هناك آيات لم تكن معروفة من لدن الجميع، و أن زيد بن ثابت استدرك بعضها )) [1] .

و أقول: إن الجابري أخطأ في الفهم و الاستنتاج، و انتهى إلى نتائج خطيرة جدا، و باطلة شرعا و تاريخا و عقلا. فأستنتج أن آيات من القرآن لم تُدوّن في المصحف الإمام الذي جمعه أبو بكر، و ظلت خارج المصحف إلى زمن عثمان حيث تنبه زيد بن ثابت لبعضها كآية (( من المؤمنين رجال ... ) )، فألحق بعضها بالمصحف، و ضاع الذي لم يتنبه له، لأنه قال: (( استدرك بعضها ) )، بمعنى أنه لم يستدرك كل الآيات. فالقرآن الكريم -في نظر الجابري- لا يشمل كل ما نزل من القرآن-غير المنسوخ-، فقد كان ناقصا منذ أن جمعه أبو بكر سنة 11 هجرية، و عندما وحّد عثمان المصحف سنة 25 هجرية أُلحقت به الآية التي استدركها زيد بن ثابت، و ضاعت الآيات الأخرى التي لم تُستدرك، فبقي القرآن ناقصا إلى يومنا هذا.

فما هو السبب الذي أوصل الجابري إلى هذه النتائج الخطيرة و الباطلة؟، إنه أخطأ في فهم الروايتين، ففهم من الأولى أن زيد بن ثابت جمع القرآن زمن أبي بكر، و فهم من الثانية أن زيدا -في زمن عثمان- وجد أية مفقودة من سورة الأحزاب عند أحد الصحابة، فألحقها بالمصحف. ثم استنتج من ذلك أنه من المحتمل أيضا أن تكون آيات أخرى قد ضاعت من الصحابة، لم يتنبهوا لها. فأخطأ في كل ذلك، لأنه لم يتنبه إلى أن رواية البخاري الثانية مقسمة إلى قسمين، الأول يتعلق بعمل عثمان في طلب المصحف الإمام من حفصة أم المؤمنين، و نسخه و توحيده و إرجاع المصحف إلى حفصة [2] .

و قسمها الثاني لا يتعلق بالأول، و إنما يخص أية الأحزاب التي ذكر زيد أنه افتقدها، يعني أنه افتقدها في الجمع الأول زمن أبي بكر- رضي الله عنه-،و ليس أنه افتقدها زمن عثمان. فهذا القسم مرتبط برواية البخاري الأولى، مع أنه-أي القسم الثاني- ورد مع القسم الأول في نفس الرواية الثانية المتعلقة بزمن عثمان- رضي الله عنه-.و الحقيقة أن الراوي الذي روى عنه البخاري الرواية الثانية فرّق بين قسمي الرواية الواحدة، فعندما ذكر القسم الأول، قال مرة أخرى: (( قال ابن شهاب و أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت سمع زيد بن ثابت قال: (( فقدتُ آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنتُ أسمع رسول الله-صلى الله عليه و سلم- يقرأها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري"مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) )-الأحزاب: 23 -"، فألحقناها في سورتها في المصحف )) [3] .

فالقسم الأول لا علاقة له بالقسم الثاني، و الراوي قد فرّق بينهما، لكن الجابري جعل الرواية الثانية كلها قسما واحدا يتعلق بنسخ القرآن و توحيده زمن عثمان، و

(1) نفسه، ص: 218، 219.

(2) البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 1908.

(3) نفسه، ج 4 ص: 1908 ز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت