لأن الآيات التي ثبت نسخها هي منذ أن نزل الوحي بنسخها، فهي قد نًسخت و أُزيلت و رُفعت من المصحف المكتوب و المحفوظ معا. و من ثم فإن الصحابة لن يُدوّنوها و لا يكتبونها في المصحف، و هذا أمر ضروري و طبيعي، و لا عجب فيه، لكن المرفوض هو لو أنهم دوّنوها فيه. فيكون عملهم هذا هو نوع من التحريف للقرآن لأنهم أدخلوا فيه ما نسخه الله تعالى و أزاله من كتابه العزيز. و أما عدم كتابتهم لذلك المنسوخ في المصحف فهو الأمر الصحيح و الصواب الذي لا يصح أن نسميه إسقاطا، و لا تحريفا، و لا إنقاصا، لأنه تطبيق لأمر شرعي، أمر الله تعالى به. لكن الجابري أٍرد أن يُوهمنا بسؤاله، عندما سمّى عدم كتابة الصحابة للمنسوخ إسقاطا، فهذا سؤال لا يصح طرحه أصلا.
فهل الجابري أخطا في طرحه لهذا السؤال؟، نعم إنه أخطأ في ذلك، فهو سؤال لا يصح طرحه. لكن يبدو أنه تعمد طرحه ليختفي من وراء النسخ، و يصل إلى ما يُريد طرحه و تحقيقه. و يبدو لي أن حقيقة الرجل أنه أردا أن يسأل: هل عندما جمع الصحابة القرآن زادوا فيه، و أنقصوا منه، و ضاع منهم شيء من القرآن؟. و سؤال كهذا لا يصح ان يطرحه مسلم أبدا، اللهم إلا إذا طرحه من باب الافتراض و الاحتمال للرد على الطاعنين في القرآن الكريم، فهو قد طرحه افتراضا لا اعتقادا. و أما إذا طرحه اعتقادا باحتمال صوابه، أو لتصويبه، فهو نقض لإيمانه، و عليه أن يُراجع نفسه، و يُجدد إيمانه بالتوبة و الاستغفار من جهة، و يعلم أنه متناقض مع نفسه، و عليه أن يسعى لإزالة تناقضه بالإخلاص و اليقين و المجاهدة.
و أما القول الثاني فمفاده أن الجابري قال: (( كانت هناك آيات لم تكن معروفة من لدن الجميع، و أن زيد بن ثابت استدرك بعضها ) ) [1] . و قوله هذا فيه تغليط و تدليس، و يتضمن القول بضياع شيء من القرآن لم يُستدرك. و زعمه هذا باطل و لا يصح، لأنه إذا كانت بعض الآيات لم يكن يعرفها كل الصحابة عند نزولها، لأنهم لم يكونوا مع النبي- عليه الصلاة و السلام-، فهذا لا يطعن في توثيق القرآن و حفظه، لأن رسول الله كان إذا نزل عليه الوحي أخبر أصحابه بذلك و أمر بكتابته. و الشاهد على ذلك أيضا أن عمر بن الخطاب عندما اقترح على أبي بكر جمع القرآن قال له: (( أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه ) ) [2] .: اكتبوه، أو دوّنوه، أو أكملوا كتابته، و إنما قال له: اجمعوه. لأنه كان يعلم أن القرآن كله محفوظ تدوينا و حفظا،. و نفس الأمر قاله أبو بكر لزيد- رضي الله عنهما- فقال له:"تتبع القرآن فاجمعه". فلم يقل له أكتبه، أو أكمل كتابته. فهذا دليل دامغ على بطلان زعم الجابري.
و لا يملك الجابري أي دليل صحيح يُثبتُ أن رسول الله كان لا يكتب بعض الآيات، و لا يُخبر بها أصحابه. لذا فإن زعم الجابري باطل شرعا و تاريخا، و
(1) نفس المصدر، ص: 219.
(2) البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 1720.