رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ، فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ )) -التوبة:128 - 129 - [1] .
و هذه الرواية لا تصح إسنادا و لا متنا، و بذلك يسقط احتماله النظري الذي بناها عليها من جهة، و هو قد ارتكب في ذكره لها ثلاثة أخطاء من جهة أخرى. فأما إسنادها فضعيف لأن فيه عنعنة محمد بن إسحاق، و هو مُدلّس و لم يُصرّح بالسماع [2] . و فيه أيضا انقطاع، لأن راويه عباد بن عبد الله بن الزبير (ت 90 هجرية) لم يكن شاهد عيان لما روى، و لم يذكر عمن رواها. و هو قد كان صغيرا أو أنه لم يُولد أصلا زمن عمر بن الخطاب، لأن أباه عبد الله كان له من العمر 24 سنة عندما تُوفي عمر [3] .
و أما متنها فهو مُنكر جدا و لا يصح، لأن الرواية الصحيحة التي رواها البخاري و غيره من المحدثين تخالف ذلك صراحة. فهي قد نصّت على أن القرآن الكريم قد جُمع كله زمن أبي بكر، و لم ينقص منه شيء، و أن تلك الآيات التي ذكر الجابري أن الحارث بن خُزيمة جاء بها كان زيد بن ثابت قد جمعها عندما جمع القرآن كله زمن أبي بكر [4] .
و أُشير هنا إلى أن الجابري وقع في تناقض صارخ، و لم يُبال به، أو لم ينتبه له، و مفاده أن الجابري ذكر أولا رواية مجيء الحارث بن خزيمة بالآيتين الأخيرتين من سورة التوبة. لكنه بعد نحو صفحة أورد رواية جمع أبي بكر للقرآن كما رواها البخاري، فذكر أن زيد بن ثابت تولى العملية فوجد آخر سورة التوبة -براءة- مع أبي خزيمة، و لم يجدها عند غيره، و قوله تعالى: (( (( لقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ، فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) )-التوبة:128 - 129 - [5] . و هذا تناقض واضح مع ما ذكره في الرواية الأولى التي نصت على أن الحارث بن خزيمة هو الذي جاء بتلك الآيتين إلى عمر. فهذا تناقض، لأنه لا يصح أن يقال: إن آخر سورة التوبة وُجد مع شخصين بطريقتين مختلفتين، و جُمع مرتين، الأولى زمن أبي بكر، و الثانية زمن عمر، و الجابري قد نص صراحة على أن الرواية الأولى جرت عندما جُمع القرآن زمن عمر ابن الخطاب [6] !!.
و أما الأخطاء التي وقع فيها الجابري، فأولها، إنه قال: رواية ذكرها أبو داود في سننه. و هذا غير صحيح، لأن الرواية لا وجود لها في سنن أبي داود، و
(1) الجابري: المرجع السابق، ص: 217.
(2) أنظر: أبو بكر بن أبي داود: كتاب المصاحف، حققه محمد بن عبده، ط 1، دار الفاروق الحديثة، القاهرة، 2002، ص: 111.
(3) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، حققه محمود الأرناؤوط، ط 1، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، 1986، ج 1 ص: 307.
(4) سنوثق ذلك لاحقا.
(5) الجابري: المرجع السابق، ص: 218.
(6) قوله هذا خطأ واضح، و سنعود إليه قريبا.