الصفحة 50 من 157

و المثال الثالث يتمثل في أن الصحابي رافع بن مالك الأنصاري -رضي الله عنه-، عندما لقي رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بالعقبة أعطاه ما أُنزل عليه من القرآن في العشر سنين التي خلت، فقدم به رافع إلى المدينة [1] . فهذا الخبر شاهد على أن القرآن الذي كان قد نزل على رسول الله، كان مكتوبا، لأنه لو لم يكن مُدونا فلا معنى أن يُعطيه له الرسول ليأخذه معه إلى المدينة، و ما ذا يُعطيه، و المحفوظ لا يُعطى؟، كما أن رافعا ليس في مقدوره أن يحفظ القرآن كله في مدة بيعة العقبة القصيرة. و لماذا يُتعب نفسه لحفظه في هذه المدية القصيرة، و رسول الله و الصحابة الأوائل يحفظونه، و هم سيُهاجرون إلى المدينة قريبا؟، فكان يكفيه حفظ بعض السور أو كتابتها و يأخذها معه ريثما يأتي هؤلاء. و بناء على ذلك فإن معنى: أعطاه ما أُنزل عليه، هو أن النبي -عليه الصلاة و السلام- أعطاه كل ما أُنزل عليه من القرآن مكتوبا مُدونا.

و المثال الأخير-أي الرابع- مفاده أنه لما جُمع القرآن كله في بداية عهد أبي بكر الصديق، من الرقاع و القراطيس و العظام، لم يحدث أي إشكال فيما يخص القرآن المكي [2] . مما يعني أنه كان مكتوبا كله منذ المرحلة المكية، أو أنه دُون من جديد أيضا، أو أن الأمرين حدثا معا.

و الشاهد الأخير- و هو التاسع-يتمثل في الحديث الذي ذكره الجابري نفسه و احتج به على رأيه. فهذا الحديث شاهد قوي على أن جمع القرآن كان عاما لكل آيات القرآن، و ليس كما أراد أن يُوهمنا به الجابري بأن الجمع ربما لم يشمل بعض الآيات. لأن الحديث قال: (( كنا عند رسول الله نؤلف القرآن ) )، فلم يقل نؤلف بعض القرآن، فالتأليف كان شاملا لكل القرآن و ليس لبعضه. و من يقول خلاف ذلك عليه أن يأتي بدليل صحيح يثبت أن الجمع و التدوين و التأليف لم يشمل كل القرآن. و هذا لم يقدمه الجابري ليدعم به الاحتمال الذي افترضه. لأن رأيه هذا ليس دليلا، و إنما هو مجرد احتمال نظري يقيل الخطأ و الصواب معا. و لا يصح أحدهما إلا بدليل شرعي أو تاريخي صحيح، و الحديث الذي ذكره، و الشواهد الصحيحة التي ذكرناها كلها تشهد على أن القرآن كتب كله، و من ثم فإن اعتراضه النظري لا يصح.

و أما الرواية التاسعة فهي مرتبطة بالرواية السابقة لأنها هي الدليل العملي الذي استشهد به الجابري على احتماله النظري السابق، فقال: (( و هذا ما يُستفاد من رواية ذكرها أبو داود في سننه تخص الآيتين الأخيرتين من سورة التوبة، و لم تكونا قد أُدرجتا فيها عندما جُمع القرآن زمن عمر ابن الخطاب. تقول الرواية -نقلا عن الزبير بن العوام-: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة فقال: أشهد إني سمعتها من رسول الله، و وعيتها. فقال عمر: أنا أشهد لقد سمعتها، ثم قال: لو كانتا ثلاث آيات لجعلتها على حدة، فانظروا آخر سورة من القرآن فألحقوهما في آخرها. فألحقوها بسورة براءة- التوبة-. و الآيتان هما: (( لقَدْ جَاءكُمْ

(1) ابن حجر: الإصابة في معرفة الصحابة، ط 1، دار الجيل، بيروت، 1412، ج 2 ص: 444.

(2) سيأتي توثيق ذلك لاحقا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت