الصفحة 49 من 157

الوحي أرسل إليّ فكتبتُ الوحي )) [1] . و هذا الحديث شاهد قوي على أن رسول الله كان حريصا على تدوين ما ينزل عليه من القرآن الكريم.

و الشاهد الرابع يتمثل في قول الرسول-عليه الصلاة و السلام-: (( لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن، و من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه ) ) [2] . و هذا دليل قاطع على اهتمام رسول الله بتدوين القرآن و الحرص عليه، و متابعة عملية تدوينه، و أمر الصحابة بتخصيص القرآن بالكتابة دون غيره من الكلام. و من كانت هذه هي حاله في الاهتمام بكلام الله تعالى، لا يمكن أن يُهمل آية منه من دون تدوين.

و الشاهد الخامس يتضمن طائفة من الحوادث العملية التي تبيّن الاهتمام الكبير الذي أولاه رسول الله للقرآن الكريم جمعا و تدوينا، خلال العهدين المكي و المدني، مما يدل على أن رسول الله لم يُهمل من القرآن شيئا، فد جمعه كله تدوينا و حفظا. فمن ذلك إنه كان لرسول الله كُتاب وحي في العهد المكي، مهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، و أبو بكر الصديق، و عمر بن الخطاب، و عثمان بن عفان-رضي الله عنهم [3] . فلو لم يكن رسول الله يُدون القرآن و يحرص على تدوينه، ما اتخذ كُتابا للوحي منذ العهد المكي - مرحلة الضعف و المحنة-، و لاكتفى بحفظه في الصدور، و بما أنه لم يكتف بذلك و اتخذ كتابا للوحي دل ذلك على أنه كان يُدون القرآن و حريصا على تدوينه منذ المرحلة المكية. و في العهد المدني ازداد عددهم فقُدر بأربعين كاتبا على رأسهم زيد بن ثابت، و أُبي بن كعب [4] . فهذا العدد الكبير دليل دامغ على حرص النبي-صلى الله عليه و سلم- على تدوين القرآن كله عند نزوله، فعندما يغيب أو يتعب بعضهم يخلفهم آخرون. و لو لم يكن شديد الحرص على تدوينه كله ما اتخذ ذلك العدد الكبير من كُتاب الوحي.

و المثال الثاني يتمثل في حادثة إسلام عمر بن الخطاب، فإنه وجد صحيفة عند أخته مكتوبا فيها بعض سور القرآن الكريم، فقرأها و كانت سببا في إسلامه [5] . فهذه الحادثة تُشير إلى أن القرآن كان يُكتب منذ العهد المكي، وأن الصحابة الأوائل كانوا يهتمون بذلك.

و المثال الثالث يتمثل في أن رسول الله-عليه الصلاة و السلام- عندما هاجر إلى المدينة مع أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، أخذ معه أدوات الكتابة، من قلم و رقاع، و عندما أدركهم سراقة بن مالك في مطاردته لهما، و أراد سراقة الرجوع، سال رسول الله بأن يكتب له كتابا، فأمر النبي عامر بن فهيرة بأن يكتب له ذلك، فكتب له ما أراد [6] . فهذه الحادثة دليل على أن رسول الله كان حريصا على تدوين القرآن عند نزوله، حتى و إن كان مهاجرا فارا بدينه من الكفار، لأنه لم يحمل معه أدوات الكتابة إلا ليدون القرآن في أي مكان نزل عليه.

(1) الهيثمي: مجمع الزوائد، ج 8 ص: 578. و البيهقي: السنن الكبرى، ج 7 ص: 52.

(2) مسلم: الصحيح، ج 4 ص: 2298، رقم الحديث: 3004.

(3) ابن حجر: فتح البارئ، ج 9 ص: 22. و ابن كثير: البداية، ج 5 ص: 339، 340.

(4) نفس نفسه، ج 9 ص: 22. و نفسه، ج 5 ص: 339 و ما بعدها. و صبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن، دار العلم للملايين، بيروت، ص: 69.

(5) ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار صادر، بيروت، ج 3 ص: 267.

(6) البخاري: الصحيح، ج 12 ص: 249، رقم: 3616

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت