ذهاب كثير من القرآن بسب النسخ و الرفع -و هذا لم تُشر إليه الرواية- فإنه لا يصح أيضا، لأن النسخ ليس نقصا، و لا ضياعا، و لا طعنا، و لا عيبا في القرآن، و إنما هو أمر ثابت شرعا، نسخ الله به آيات قرآنية أدت دورها، و لم يصبح لوجودها مبرر حسب إرادة الله و حكمته. فهذا النسخ لم يُنقص من القرآن، و لا أضاع منه شيئا، فهو ما يزال كتابا مُحكما كاملا لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه أبدا.
و أما الرواية الثامنة فمفادها أن الجابري ذكر حديثا رواه زيد بن ثابت يقول فيه: (( كنا عند رسول الله نُؤلف القرآن من الرقاع ) )، وعلق عليه الجابري بقوله: (( أي يُرتبون الآيات داخل السور. و مع ذلك لا يبعد أن تبقى خارج هذا التأليف آية أو أكثر مكتوبة على رقعة أو عظم، أو غير مكتوبة و لكن محفوظة في صدر هذا الصحابي أو ذاك ) ) [1] .
و قوله هذا يتضمن توجيها سيئا و مُغرضا للحديث، لأن الحديث يدل على اهتمام رسول الله و صحابته بالقرآن الكريم ترتيبا و جمعا. لكن الجابري تخطى ذلك و افترض احتمالا زعم فيه أن الحديث لا ينفي إمكانية بقاء بعض القرآن خارج ذلك التدوين و الجمع و الترتيب، و أن بعضه قد لا يكون قد دُوّن أصلا ن و إن كان محفوظا في الصدور. و زعمه هذا لا يصح، بدليل الشواهد الآتية:
أولها إن الحديث نفسه [2] شاهد قوي على أن النبي-عليه الصلاة و السلام- و صحابته كانوا يهتمون بكتابة القرآن و جمعه و ترتيبه، و هذا كله يندرج ضمن ما وعد الله به بأنه سيحفظ كتابه، في قوله سبحانه: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) )-الحجر: 9 - . و هذا يستلزم الحفظ الكامل له، و الاستمرار في ذلك العمل، و عدم التواني فيه كتابة و ترتيبا و حفظا.
و الشاهد الثاني هو أن الله تعالى وصف القرآن بأنه (( الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) )-هود: 1 - ، و أنه (( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) )- فصلت:41 - 42 - ، و أنه كامل (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) )-المائدة: 3 - ، و أن الله سيتكفل بحفظه (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) )-الحجر: 9 - . و هذا كله لا يتم بشكل كامل و صحيح و نهائي إلا بحفظ القرآن و جمعه كله كتابة و حفظا. و هذا هو الذي تمّ زمن النبي-صلى الله عليه و سلم-، ثم توثّقت العملية أكثر بجمع القرآن كله في مصحف واحد زمن أبي بكر- رضي الله عنه-.
و الشاهد الثالث يتمثل في حديث نبوي حسّنه الهيثمي، يقول فيه الصحابي زيد بن ثابت- رضي الله عنه-: (( كنتُ جار رسول الله-صلى الله عليه و سلم- إذا نزل
(1) الجابري: مدخل إلى القرآن الكريم، ص: 216.
(2) هو حديث صحيح، أنظر: ابن حبان: الصحيح، ج 1 ص: 320. و أحمد بن حنبل: المسند، ج 5 ص: 184. و الألباني: صحيح الترمذي، ج 3 ص: 254.