الصفحة 47 من 157

أني أخشى أن يستحر القتل بقراء القرآن في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير )) [1] . فمعنى الذهاب هو الضياع و الفقدان، مما يعني أن القول المنسوب لابن عمر يقصد ذلك. و هذا أمر باطل، و لا يصح أن يُقال في حق القرآن الكريم، و لا يصح أن يعتقده مسلم، لأنه مخالف للشرع و التاريخ الصحيح معا، في أن القرآن لم يتعرض لأي نوع من أنواع التحريف [2] .

و كما أن ذلك القول مخالف للشرع و التاريخ الصحيح، فهو أيضا طعن في كل الصحابة عامة، و ابن عمر خاصة. فإذا كان القرآن قد ضاع منه كثير، فأين كان هو و باقي الصحابة؟!. فلماذا ضيّعوه، و لم يُحافظوا عليه؟. و بما أن الصحابة بريئون من ذلك فإن الرواية لا تصح.

و ثانيا إنه إذا قيل: إن المقصود من قول ابن عمر، هو ما حدث من نسخ و رفع لآيات من القرآن. فنحن نقول: إن هذا التبرير هو تأويل يرفضه ظاهر الرواية التي ذكرت صراحة أنه ظاع من القرآن آيات كثيرة، و لم تذكر و لا أشارت -من قريب و لا من بعيد- إلى أن المقصود من ذلك الذهاب هو النسخ و الرفع. لذا فإن الصواب هو رفض تلك الرواية برمتها، و الحكم عليها بالبطلان، و لا نبحث لها عن تأويلات لا يحتملها ظاهر الرواية. كما أن البحث عن مثل هذه التأويلات ضرره أكثر من نفعه، لأنها تُؤدي إلى ترك هذه الرواية و أمثالها في الوسط الشرعي، و هي تطعن فيه و مخالفة له من جهة. و تثير حوله الإشكالات و الطعون و الشبهات، و تُشوّه تاريخ القرآن من جهة ثانية. و تُساهم في توسيع مجال الظنيات فيما يتعلق بتاريخ القرآن من جهة ثالثة. و بذلك نربح كثيرا برفضنا لتلك الرواية، و لا نخسر شيئا، فقد رفضناها بطريقة علمية موضوعية.

و أما إذا قيل: كيف ترفض رواية ظاهر إسنادها صحيح، و رواتها ثقاة؟، فالأمر ليس كذلك، لأن الرواية معنعنة، و متنها مُنكر، و صحة الإسناد- من الناحية الظاهرية- لا تعني صحة المتن بالضرورة، و صحة المتن لا تعني صحة الإسناد بالضرورة. و الرواية لكي تُقبل لا بد أن يصح إسنادها و متنها معا، فإذا تخلف أحدهما لا تُقبل الرواية، اللهم إلا إذا صح متنها من طريق إسناد آخر له نفس المتن.

و الإسناد قد يحكم ببطلان المتن، و إن كان ظاهره مقبولا، و المتن قد يحكم ببطلان الإسناد و إن كان ظاهره صحيحا. لأنه قد تكون في الإسناد-أو المتن- علل خفية، كأن يكون الإسناد مركبًا، أو مدلسا، أو حدث فيه سهو أو وهم، أو خطأ من بعض رواته.

و ثالثا إن من مظاهر بطلان متن تلك الرواية، هو أنه لا يصح القول بأن القرآن ذهب منه كثير، و ما نقرأ منه إلا بعضه ... . فهذا القول إن كان المقصود منه ضياع كثير من القرآن، فهو قول باطل مردود على قائله. و إن كان المقصود منه

(1) البخاري: الصحيح، ج 6 ص: 2669.

(2) سنتوسع في ذلك و نوثقه لاحقا، إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت