الصفحة 46 من 157

المشركين"، فقال أُبي: و سماني لك؟، قال: نعم، فبكى أُبي [1] . فأين تلك الآيات المزعومة؟."

و من ذلك أيضا أن تلك الآيات المزعوم أنها آيات قرآنية هي في الحقيقة ليست كذلك، و إنما هي في الأصل حديث نبوي صحيح. فقد روى البخاري و مسلم أن الصحابي عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه- سمع رسول الله-عليه الصلاة و السلام- يقول: (( لو كان لابن آدم واديان من مال، لابتغى ثالثا، و لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، و يتوب الله على من تاب ) ) [2] .

و يزيد ذلك تأكيدا أن تلك الآيات المزعومة المروية عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن أُبي بن كعب، لا وجود لها أصلا قي قراءة حفص و شعبة بن عباس المروية عن عاصم بن بهدلة بن أبي النجود، و التي تنتهي إلى الصحابة: أُبي بن كعب، و عثمان، و علي، و ابن مسعود، و زيد بن ثابت [3] - رضي الله عنهم-.

و يُضاف إلى ذلك أيضا أن تلك الآيات المزعزمات أُسلوبها شاهد على أنها ليست من القرآن، فهي كلمات مُقحمة في سورة البينة ز و كل من له تذوّق للقرآن الكريم يُفرّق بينها و بين آيات سورة البينة، و يُدرك منذ الوهلة الأولى أنها ليست قرآنا.

و أما الرواية السابعة، فهي أن الصحابي عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما- قال: (( لا يقولن أحدكم قد أخذتُ القرآن كله، و ما يُدريه ما كله!، قد ذهب قرآن كثير، و لكن ليقل: قد أخذتُ منه ما ظهر ) ) [4] .

و أقول: إن الرواية لا تصح، لأن في الإسناد عنعنتين، الأول عنعنة أسماعيل بن علية عن أيوب السختياني. و الثانية عنعنة أيوب السختياني عن نافع مولى ابن عمر [5] . و هذا يعني أن هؤلاء لم يُصرّحا بالسماع، مما يدل على أن الإسناد ليس متصلا. و مع أن رواة هذا الخبر كلهم ثقاة و هم: القاسم بن سلام، و إسماعيل بن علية، و أيوب السختياني، و نافع مولى ابن عمر، و ابن عمر، إلا أنني أعتقد أن الرواية لا تصح لما فيها من عنعنة، و لما قد يكون قد حدث لبعض روايتها من سهو، أو وهم، أو خطأ. لأن متنها مُنكر جدا و باطل، و لا يصح بدليل المعطيات الآتية:

أولا إن الرواية ذكرت أن ابن عمر قال:"قد ذهب قرآن كثير"، و عبارة: ذهب، تعني الضياع، و لا تعني النسخ، و لا الرفع، و لا النسيان، المُعبر عنها في قوله تعالى: (( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) )-البقرة: 106 - . . و الشاهد على أنها تعني الضياع لا النسخ هو أنه عندما اقترح عمر على أبي بكر- رضي الله عنهما- جمع القرآن قال له: ((

(1) البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 1879. و مسلم: الصحيح، ج 1 ص: 550.

(2) نفس المصدر، ج 5 ص: 2364. و نفس المصدر، ج 2 ص: 725.

(3) السيد أحمد عبد الرحيم: أسانيد القراء العشرة، ص: 36 و ما بعدها. و راجع المصحف الشريف بقراءة حفص عن عاصم، فلا وجود لتلك الآيات المزعومات.

(4) الجابري: المرجع السابق، ص: 225.

(5) أنظر الإسناد في: السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، ج 2 ص: 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت