الصفحة 150 من 157

سجله القرآن سجّله التاريخ أيضا، فلا يُوجد في السيرة النبوية ما يُشير من قريب و من بعيد إلى أن النبي-عليه الصلاة و السلام - طلب العلم، و تأثر بأهل الكتاب.

و ثانيها إن التاريخ لم يُسجل أن قريشا اتهمت محمدا-عليه الصلاة و السلام- بأنه تعلّم على يد ورقة بن نوفل، و تأثر به، و أخذ عنه، فلو حدث ذلك لما غاب عنها، لأن حياة النبي كانت معروفة لديها.

و الثالث يتمثل في أن تلك الرواية نصت صراحة على أن ورقة بن نوفل شهد لمحمد بالنبوة، و لم يشهد له بخلافها، فعلى أي أساس سمح جعيط لنفسه بتحريف التاريخ من دون أي دليل؟، إنه نفى الرواية لأنها لا تتفق مع هواه و وضع محلها خرافة تأثير ورقة في النبي، التي تتفق مع هواه و ضلاله و مذهبيته، و هذا ليس من العلم، و لا من الموضوعية في شيء. فالرواية التي أنكرها هي شاهدة عليه على أنه مُحرف و مفترٍ، و مُغالط مُتعصب للباطل.

و الدليل الرابع هو أن الرواية نفسها تشير إلى أن النبي محمد -عليه الصلاة و السلام- لم تكن له علاقات مع ورقة ابن نوفل قبل نزول الوحي عليه، لأنها-أي الرواية- ذكرت أن خديجة- رضي الله عنها- هي التي أخذت زوجها إلى ابن عمها ورقة لتعرض عليه ما حدث لزوجها محمد-صلى الله عليه و سلم-. فلو كان النبي على علاقة به لذهب إليه بنفسه مباشرة، و هذا لم يحدث.

و الدليل الخامس - و هو الأخير- يتمثل في أنه لو كان النبي قد أخذ عن ورقة علم أهل الكتاب، لما شهد له ورقة بالنبوة، و لكشف أمره لخديجة - و هي قريبته-،و لحذر محمدا مما ادعاه. خاصة و أنه-أي ورقة- كان إنسانا ضريرا كبير السن معروفا بالعلم و الاستقامة، لا يرجو من شهادته جاها و لا مالا و لا سلطانا. لذا فإن شهادته صحيحة صادقة رغم أنف هشام جعيط المفتري على ورقة بن نوفل.

و ثالثا إنه أراد أن يُوهم القراء بأنه هو و أصحاب السيّر ينطلقون من أرضية واحدة في اعتمادهم على تلك الرواية- رواية ورقة بن نوفل-، مع الاختلاف في الغاية. فهو اعتمد عليها ليطرح احتماله النظري، و هم اعتمدوا عليها لإضفاء الشرعية على نبوة محمد على حد زعمه. و هذا زعم باطل، و تغليط للقراء و تدليس عليهم، لأن أصحاب السيّر لم يعتمدوا-في موقفهم السابق- على فرضية أو احتمال، و إنما اعتمدوا على روايات تاريخية صحيحة، يُؤيدها النقل الصحيح، و العقل الصريح. و أما هو فلم يعتمد أبدأ على دليل صحيح و لا ضعيف، و إنما اعتمد على احتمال نظري قام الدليل الصحيح القطعي على بطلانه. فهو إذًا ليس في درجة أصحاب السيّر، فهم أصحاب حقائق فيما رووه عن ورقة، و هو مُغالط مفترٍ صاحب ظنون و خرافات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت