و رابعا إن جعيطا لم يكتف بممارسة التغليط و التدليس و التحريف، و إنما مارس أيضا أسلوب التأكيد و الحتمية، لُيؤثر في الناس و يُوهمهم بأن زعمه صحيح، و ذلك عندما قال: (( إذ لا بد من وجود مثل هذه التأثيرات ) ). و قوله هذا زعم باطل لأمرين: الأول أنه سبق أن أثبتنا بالأدلة القاطعة أن حكاية التأثيرات الكتابية باطلة من أساسها، و ما هي إلا خرافة من خرافات هشام جعيط الكثيرة. و الثاني مفاده أن قوله بحتمية وجود ذلك التأثير المزعوم، هو قول باطل لأنه ليس نتيجة ضرورية و لا حتمية لمقدمات صحيحة. فهو أنكر رواية صحيحة من دون أن يذكر أي دليل صحيح و لا ضعيف، و لا أورد مقدمات عقلية صحيحة، و إنما ذكر ظنا من ظنونه و أهوائه و بنى عليه زعمه الخرافي الذي زعم أنه حتمي. و هذه مقدمة باطلة لا يمكن أن تُؤدي إلى تلك النتيجة التي زعم أنها حتمية.
و خامسا إنه تبيّن لي أن جعيطا لم ينكر تلك الرواية لأنه أثبت بطلانها بالدليل الصحيح، و إنما أنكرها لأنها رواية صحيحة تمثل دليلا قويا دامغا على صدق نبوة محمد-عليه الصلاة و السلام-، فهي تمثل شهادة صادقة من رجل نصراني له علم بكتب اليهود و النصارى، فلو كان متعصبا للباطل ما اعترف له بالنبوة، لأن اعترافه هذا هو نسخ لدين اليهود و النصارى، لكنه مع ذلك شهد له بالنبوة. فكانت شهادته هذه دليلا قويا على صدق نبوة محمد-عليه الصلاة و السلام-، و هي شهادة يشهد على صدقها القرآن الكريم، و التاريخ و كتب أهل الكتاب. لذا حاول هشام جعيط أن يطعن في تلك الرواية بظنونه و أهوائه و تعصبه، محاولة منه لإبطال الاستشهاد بها على صدق نبوة محمد -صلى الله عليه و سلم-، ففشل في ذلك، و انكشف مكره و زيفه و تغليطه.
و أما النموذج الأخير- وهو الرابع- فيتمثل في أن جعيط ذكر أنه يُمارس البحث العلمي، و أنه يلتزم بالموضوعية في النقل و التحليل و التحقيق، و زعم أنه كمؤرخ يقف عند (( النصوص و لا يتجاوزها ) )، و أنه يدرس السيرة النبوية بنظرة علمية صارمة [1] . و قوله هذا زعم باطل مردود عليه، يُثير الضحك و الاستغراب من صاحبه، لأن ما ذكرناه من أباطيله و خرافاته أدلة قاطعة دامغة على أن الرجل كان كثير التحريف و التخريف، يتعمد التزييف و التغليط، و يعتمد على الظنون و الأساطير، بعيدا عن الصرامة العلمية و الحياد العلمي، بسبب تعصباته و أهوائه التي أبعدته عن البحث العلمي الموضوعي الصحيح.
و أُشير هنا إلى أن القرآن الكريم قد كشف زيف و تهافت المنهج الذي يتبناه هشام جعيط و يتباهى به. و قد كشفه من خلال إبطال و فضح المنهج الذي يتبعه اليهود و النصارى في موقفهم من دين الإسلام، و بما أن جعيطا هو تلميذهم و أخذ بمنهجهم فإن فضح القرآن لهؤلاء، هو فضح لجعيط أيضا. و يتمثل ذلك في قوله تعالى: (( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) )-آل عمران
(1) جعيط: تاريخية الدعوة، ص: 9، 175.