الصفحة 149 من 157

جعيط نهائيا، فأنكر الرواية الصحيحة بدون دليل، و أخذ بزعمه الخرافي من دون حجة صحيحة و لا ضعيفة، و هذا ليس من العلم و لا من الموضوعية في شيء.

علما بأن الرواية التي نفاها جعيط هي رواية صحيحة إسنادا و متنا، و تتوافق مع القرآن و التاريخ عندما نصا على أن النبي محمد -عليه الصلاة و السلام-، بشرت به الكتب السابقة، و أن الناس كانوا ينتظرون مجيئه و يعرفون صفاته. فرواية ورقة بن نوفل تندرج ضمن ما ذكره القرآن و التاريخ، و ليست مختلقة مكذوبة على حد زعم جعيط المفتري على الله و رسوله و التاريخ.

و زعم أيضا أنه (( ليس من المستحيل أن يكون ورقة قد أثر على محمد قبل زواجه أو بعد ذلك، و هذه فرضية نحتاج إليها كما احتاج إليها أصحاب السيّر إنما من منظور آخر. هم لإضفاء الشرعية، و نحن بحثا عن التأثيرات المحلية. إذا لابد من وجود مثل هذه التأثيرات ) ) [1] .

و ردا عليه أقول: أولا إن زعمه هذا خرافة كبيرة، تعلق بها من دون دليل صحيح و لا ضعيف، و هو متناقض مع نفسه، و ينكر الحقائق التاريخية بظنونه و أهوائه من دون أي دليل صحيح. فقد سبق أن ذكرنا انه أنكر رواية ما دار بين النبي-عليه الصلاة و السلام- و ورقة بن نوفل من دون أي دليل من جهة، ثم أكد على أن ورقة كان نصرانيا بلا شك من جهة أخرى، و هذا تناقض واضح، لأنه الرواية التي أنكرها من دون دليل، هي نفسها التي ذكرت أن ورقة كان نصرانيا، فعلى أي أساس أنكر الرواية كلها، و أخذ منها جزءا أكد على أنه صحيح، من دون أي دليل أيضا؟!. فهذا تناقض، فإما أن يرفض الرواية كلها بدليل صحيح، و إما أن يأخذها كلها لأنها صحيحة. لكنه لم يفعل ذلك و انتقى من الرواية ما يخدمه، و وجهه لخدمة هواه و مذهبيته المتعصبة، و هذا ليس من العلم، و لا من الموضوعية في شيء، و إنما هو فعل سببه الهوى و التعصب.

و أما قوله بأنه ليس من المستحيل أن يكون ورقة قد أثر في النبي، فهذا مجرد فرض نظري، يُقابله احتمال نظري آخر، هو أنه ليس من الضروري أن يكون محمد قد تأثر بورقة، فمن الممكن أنه كان نبيا حقا، و من ثم فإن حكاية تأثير ورقة فيه، ما هي إلا خرافة. و من ثم يجب البحث عن الدليل الصحيح الذي يُثبت أي الاحتمالين صحيح، و هذا لم يفعله جعيط، و نحن قد سبق أن ناقشناه في خرافة التأثرات الكتابة، و بينا بطلانها بأدلة قطعية كثيرة. و عليه فإن احتماله هو المستحيل، و خلافه هو الصحيح المتمثل في صحة ما ذكرته الرواية من شهادة ورقة على صدق نبوة محمد-عليه الصلاة و السلام-.

و ثانيا إن زعمه بتأثر النبي-عليه الصلاة و السلام- بورقة بن نوفل، تبطله شواهد كثيرة، منها إن القرآن الكريم نصّ على أن رسول الله لم يكن يقرأ و لا يكتب، و لم يكن له علم بما عند أهل الكتاب، و إنما هو رسول من رب العالمين [2] . , هذا الذي

(1) نفسه، ص: 153.

(2) سبق ذكر الآيات الدالة على ذلك في الفصل الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت