اعتراف منه بصدق نبوة النبي من جهة، و شهادة هامة من رجل له علم بكتاب أهل الكتاب من جهة أخرى.
كما أن إخبار ورقة للنبي-عليه الصلاة و السلام- بأن قومه سيأذونه، و كل من جاء بذلك أُوذي [1] ، ليس كلاما في غير محله كما زعم جعيط، و إنما هو كلام هام جدا جاء في مكانه المناسب تماما للحادثة، فقال له ذلك لكي يُوطن نفسه على الصبر و تحمل الأذى و المشاق منذ البداية، و يُخبره بأن طريقه هذا ليس سهلا، و هو نفس الطريق الذي سار عليه الأنبياء من قبله.
و ثانيا إن اعتراضه الثاني من أن لا نجد لورقة بن نوفل بعد ذلك ذكرا، فالأمر ليس غريبا، و لا مُحيّرا، و لا باعثا على الشك، لأن الرواية الصحيحة التي روت خبر ذهاب النبي-عليه الصلاة و السلام- إلى ورقة هي نفسها ذكرت في ختام الخبر أن ورقة كان شيخا كبيرا ضريرا ما لبث أن مات بعد ذلك اللقاء [2] . فهل هذا مستحيل؟، كلا إنه أمر ممكن و عادي، و بما أن الخبر الصحيح نص على ذلك، فالأمر كذلك. و عليه فلا يصح اعتراض جعيط بأننا لم نعثر لورقة من أثر بعد ذلك اللقاء، فكيف نعثر له على ذلك و هو قد مات؟!. أليس اعتراضه هو المُثير للدهشة و الاستغراب و الضحك؟!. علما بأن اعتراضه يتضمن اعترافا منه بصدق الرواية الصحيحة التي نصت على وفاة ورقة مباشرة بعد ذلك اللقاء، فهو قد وافقها في أنه لم يظهر لورقة أثر بعد ذلك.
و أُشير هنا إلى أن اعتراض هشام جعيط لا يقوله إلا جاهل لا يعي ما يقول و ما يكتب، أو متعصب صاحب هوى، أوصله تعصبه إلى إنكار الروايات التاريخية الصحيحة، لأنها تخالف هواه، و ليس لأنها غير صحيحة، و هذا هو حال هشام جعيط، فهو لو أن الرواية التي أنكرها لم تنص على صحة نبوة محمد عليه الصلاة و السلام-، لقبلها و ما أنكرها.
و زعم أيضا أن قصة ورقة بن نوفل اُبتدعت لإضفاء (( صبغة الحقيقة لما جاء به النبي في الأول، أو لما أصابه من شكوك و حيرة، و أيضا للتنبؤ بمساره، و عذابه و نجاحه ) ) [3] .
و أقول: إن قوله هذا هو زعم باطل مردود عليه، لأنه لم يذكر دليلا تاريخيا صحيحا و لا ضعيفا يُؤيد به زعمه، فهو مجرد دعوى، و الدعوى لا يعجز عنها أحد. و وزعمه هذا ليس دليلا، و إنما هو مجرد افتراض نظري، يُقابله احتمال نظري آخر بنفس الدرجة، كان عليه أن يفترضه أيضا، و مفاده هو أن ما ذكرته رواية ورقة بن نوفل عن نبوة محمد-عليه الصلاة و السلام- هو أمر حقيقي و ليس كما زعم هشام جعيط. لأن النظرة العلمية الموضوعية تفرض على صاحبها أن يفترض الاحتمالين معا، ثم يُخضع كل احتمال للنقد و التحقيق، و هذا لم يفعله
(1) البخاري: الصحيح، ج 1 ص: 4، ج 4 ص: 1894.
(2) نفسه، ج 1 ص: 4، ج 4 ص: 1894.
(3) تاريخية الدعوة، ص: 153.