الصفحة 6 من 40

إن إيمان أهل السنة بجميع النصوص الثابتة في مسألة ما قد أورثهم الخيرية الوسطية بين الفرق، كما كانت هذه الوسطية سببًا في هداية الله لهم فيما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإيمانهم - مثلًا - بنصوص الإثبات مع التنزيه في باب صفات الله تعالى جعلهم وسطًا عدلًا بين المعطلة والمشبهة، كما أن إيمانهم بنصوص الوعد والوعيد جعلهم وسطًا بين الوعيدية والمرجئة، وإيمانهم بالنصوص التي تضمنت إثبات قدرة الله وخلقه ومشيئته مع النصوص التي تثبت للعبد فعلًا ومشيئة .. أورثهم المسلك الوسط الخيَّر بين القدرية النفاة والجبرية، وكذا إيمانهم بجميع النصوص الصحيحة في فضائل الصحابة جعلهم وسطًا بين الروافض والخوارج.

وقد حرص سلف الأمة على تطبيق هذا الأصل، فكانوا أهل الوسطية والاعتدال، ومثال ذلك أن الزهري - رحمه الله - حدّث بحديث الرجل المسرف على نفسه، والذي أوصى بنيه بأن يحرقوه بالنار - جهلًا منه بقدرة الله - فبعثه الله وسأله عن سبب صنيعه فقال هذا الرجل: خشيتك يا رب، فغفر له بذلك. ثم حدّث الزهري بحديث المرأة التي دخلت النار في هرة، لا هي أطعمتها ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت هزلًا. رواه مسلم.

ثم قال الزهري: لئلا يتكل رجل ولا ييأس رجل.

قال النووي: (( معناه لما ذكر الحديث الأول خاف أن سامعه يتكل على ما فيه من سعة الرحمة وعظم الرجاء، فضم إليه حديث الهرة الذي فيه من التخويف ضد ذلك ليجتمع الخوف والرجاء، وهذا معنى قوله(لئلا يتكل ولا ييأس) وهكذا معظم آيات القرآن العزيز يجتمع فيها الخوف والرجاء لئلا يقنط أحد ولا يتكل. )) (1)

(1) شرح النووي على مسلم 17/ 372

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت