وقد نلمس في أنفسنا وغيرنا جفاءً مع الناس وسوء معاملة، وقد قال أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أُفٍّ قط، وما قال لشيء صنعته لِمَ صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟ وصدق الله - تعالى - عندما قال - سبحانه في شأنه: (( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) ) (آل عمران:159) .
وأخيرًا فقد يتلبس أحدنا بأَثَرَة وأنانية، فلا يهتم إلا بنفسه وشخصه مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ).
هذا الحديث الذي يبين ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من الموالاة والرحمة والإشفاق لأهل الإيمان.
عن جرير قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة، متقلدي السيوف، عامتهم من مُضر، بل كلهم من مضر، فتمعَّر (تغير) وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذّن وأقام، ثم خطب فقال: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ .. ) )إلى آخر الآية (( إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) ) (النساء: 1) .
والآية التي في الحشر: (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ) ).
تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثويه، من صاع بُره، من صاع تمره حتى قال: (( ولو بشق تمرة، قال: فجاء رجل من الأنصار كادت كفه تعجز عنها، بل لقد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم يتهلل(يستنير) كأنه مُذْهَبَة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينتقص من أجورهم شيء ) ) (1) .
(1) رواه مسلم.