مسألة الوسوسة في مخارج الحروف وأحكام الأداء
قال شيخ الإسلام - رحمه الله:
(ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه، وترقيقها، وتفخيمها، وإمالتها، والنطق بالمد الطويل، والقصير، والمتوسط، وغير ذلك. فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه، وكذلك شغل النطق بـ(أأنذرتهم) ، وضم الميم من (عليهم) ووصلها بالواو، وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك. وكذلك مراعاة النغم، وتحسين الصوت) [1] .
الدراسة:
بين الشيخ - رحمه الله - في هذه المسألة أدبًا من آداب تلاوة القرآن الكريم، وهو عدم التكلف والتنطع في أداء مخارج الحروف مما يصل معه القارئ إلى الوسوسة والانصراف عن المقصود الأعظم من التلاوة, وهو التدبُّر والتفكُّر، وبيّن رحمه الله أن الوسوسة في المخارج، والتكلف، والتنطُّع، والاشتغال بكيفيات الأداء دون التدبر هو سبب من أسباب حجب فهم القرآن الكريم.
والتنطع والتكلف في مخارج الحروف وكيفياتها عن تدبر ما يقرأه أمر حذر منه غير واحد من أهل العلم.
يقول ابن الجوزي - رحمه الله: =وقد لبس إبليس على بعض المصلين في مخارج الحروف فتراه يقول الحمد الحمد فيخرج بإعادة الكلمة عن قانون أدب الصلاة، وتارة يلبس عليه في تحقيق التشديد في إخراج ضاد المغضوب، ولقد رأيت من يقول المغضوب فيخرج بصاقه مع إخراج الضاد لقوة تشديده، وإنما المراد تحقيق الحرف فحسب، وإبليس يخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق ويشغلهم بالمبالغة في الحروف عن فهم التلاوة+ [2] .
وقد ذكر ابن القيم الوسوسة في مخارج الحروف والتنطع فيها في معرض حديثه عن ذم التكلف فقال: =ومن تأمل هدي رسول الله ^ وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم تبين له أن التنطع والتشدق والوسوسة في إخراج الحروف ليس من سنته+ [3] .
تنبيه:
قد فهم بعض المعاصرين من كلام الشيخ وتلميذه ابن القيم في ذم
(1) مجموع الفتاوى (16/ 50) .
(2) تلبيس إبليس (1/ 172) .
(3) إغاثة اللهفان (1/ 162) .