الصفحة 6 من 70

وأبو ذر الغفاري - رضي الله عنه - من تلكم الشخصيات التي كانت تتمتع بهذه القدرات النفسية العظيمة، فقد كان - رضي الله عنه - زاهدًا في زهرة الدنيا ومفاتنها، صبورًا على شظف العيش وقلة الشيء، مجاهدًا بنفسه وماله في سبيل الله، قوَّالًا للحق مجاهرًا به، وإن غضب عليه من غضب، فما كان لأبي ذر أن يضيِّع ما حفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أن يكتم شيئًا من وصايا الحبيب عليه الصلاة والسلام.

«تخلَّى من الدنيا، وتشمَّر للعقبى، وعانق البلوى إلى أن لحق بالمولى» [1] .

وقد التزم - رضي الله عنه - بالأمر الشديد، والعزيمة دون الرخصة، مع حدَّة في بعض مواقفه، ولكن هذا كله لم يكن ليقدح في مسيرة الرجل وجهاده، ولا ليجعله خصيمًا لغيره من الصحابة كما زعم الزاعمون، ولا معارضًا لخلافة عثمان ذي النورين كما افترى آخرون.

وما نريد أن نقرره هنا أن هذا العلم الغزير الذي كان يحمله أبو ذر - رضي الله عنه - عن طريق سؤالاته للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن طريق وصايا النبي - صلى الله عليه وسلم - له [2] ، هو الذي أدى به إلى تلك الاجتهادات والمواقف التي خالف فيها الجمَّ الغفير من

(1) الحلية (1/ 169) .

(2) انظر جملة من هذه الوصايا في كتابي «يا أبا ذر» من إصدارات دار الوطن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت