فكل هذه الأشياء تتحدث عن (مستحيلات عقلية) كأنك تقول: هل يستطيع الله أن لا يستطيع؟ أو هل يكون الله أن لا يكون؟
وخلاصة هذه النقطة حتى لا نطيل:
إذا نظرت إلى كل تخبطات اللاأدري أو المتشكك وأدواته في إيهامه لنفسه وللآخرين بضياع الحقيقة وحكم العقل الفيصل: ستجده ضائع بين الممكن العقلي والمستحيل العقلي وهكذا ...
الدحض الذاتي يهدم اللاأدري المغرور
هناك شيء هام جدًا يسمى الدحض الذاتي، ولنوضحه بصورة مبسطة من مثال شهير [1] :
لو أنك نزلت قرية أو جزيرة وقابلت رجلًا (منها) فقال لك:"أريدك أن تصدقني: أهل هذه القرية كلهم يكذبون"!! السؤال: هل ستصدقه أم لا؟ والإجابة: لا حل (بل الأعقل هنا ألا تصدقه لأن كلامه مدحوض ذاتيًا) أي يهدم نفسه بنفسه ويناقضها، فهو يطلب منك تصديقه رغم أنه (من) أهل القرية التي يقول لك أن (كلهم يكذبون) !!
والآن نعود إلى اللاأدري المغرور، والذي قمة التعالم عنده هو قراءته للفلاسفة التائهين في الحياة بغير دين ولا وحي، فظن أن أعلى درجات الفلسفة والمعرفة هي أن يدرك أنه لا يوجد أي شيء صحيح مطلقًا أو صحيح بالمرة في الحياة يمكن للعقل الحكم عليه!! وهنا تسأله:
هذا الحكم منك والذي تريدني أن أصدقه: لماذا سأستثنيه من حكمك العام بأنه لا يوجد شيء صحيح مطلقًا؟
فأنت هنا كلامك يدحض نفسه ذاتيًا ويناقض نفسه بنفسه!!
تقول أنه لا حكم نهائي ولا صحيح مطلقًا، ثم أنت تتخذ حكمًا واضحًا ومحددًا وتدعوني وتدعو الناس إليه!!
فإذا صدقناك في أن كلامك صحيح: تكون أثبت أن كلامك خطأ في نفي أن يكون هناك كلام صحيح!! ولو لم نصدق كلامك في أنه لا يوجد كلام صحيح مطلقًا: فهذا ينطبق على حكمك نفسه فيكون رأيك كله لا يساوي عندنا جناح بعوضة ولا حُجة لك فيه إلا وهمك الخاص!!
وهكذا تهدم اللاأدرية أو دعوة الشك نفسها ذاتيًا أو من الداخل.
(1) المثال له صور عديدة حسب طريقة روايته، وإن كان الفلاسفة متفقون على أن أصله يرجع إلى الفلاسفة اليونانيين في جزيرة كريت القديمة، لذلك يسمونه بمفارقة كذاب كريت أو عمومًا مفارقة الكذاب Liar paradox وهي إحدى المفارقات التي تدور في دائرة مغلقة بلا حل.