لا يمكن لأحد أن يرصد تسلسلها أو يتصورها ماديًا، لكن العقل يقبلها، فـ (التعقل) الذي يفوق قدرات حواس الإنسان المادية، أوسع من مجرد (التصور) المحدود بخبرات حواس الإنسان، لذلك فعدم القدرة على التصور لا يعني عدم إمكانية الوجود عقلًا، ولهذا نجد الإنسان يقبل بكل بساطة فكرة أزلية الخالق وفكرة الجنة والنار والملائكة والجن إلخ رغم أنهم فوق حواسه المادية ولا خبرة رصدية له بهم من قبل، بل وحتى علماء الفيزياء والملاحدة منهم خصوصًا يفترضون افتراضات خارج الحس المباشر والتصور ويقبلونها عقلًا مثل افتراض وجود الأكوان المتوازية أو المتعددة ومثل فرضية الأوتار أو الأوتار الفائقة [1] وغير ذلك مما يعترفون بأنفسهم باستحالة أو صعوبة إثباته أصلًا فضلًا عن رصده، والشاهد: أن الممكن العقلي هو ما يمكن للعقل أن يقبله بلا معارض حتى لو كان خارج خبرات الحواس والتصور.
4 -المستحيل العقلي:
وهذا هو الذي يحق أن يرفضه العقل لأنه لا يمكن وجوده أصلًا، ولا حتى تصح نسبة وجوده إلى قدرة الخالق لأنه لا يعد شيئًا موجودًا أصلًا ليخلقه الخالق، مثال: عندما أقول هل يوجد مثلث في مستوى واحد ولكن بأربع زوايا أو خمسة؟ والإجابة البدهية: أن هذا غير ممكن ومستحيل، حسنًا، هل سيختلف الأمر مع قدرة الله؟ هل يستطيع الله أن يخلق مثلثًا في مستوى واحد بأربع أو خمس زوايا؟ والإجابة: أن هذا المثلث المذكور لا يدخل ضمن قدرة الله أصلًا لأنه غير موجود (أي لا يمكن وجود مثلث وتكون هذه صفته!!) فالله تعالى على كل (شيء) قدير، و (شيء) هنا تعني كل (شيء) قابل للوجود (أي ممكن الوجود) مهما كان صعبًا أو عظيمًا، وليس (المستحيل الوجود) أو ما يسميه العلماء (الممتنع الوجود أو الممتنع لذاته) !!
ويدخل ضمن هذا النوع من المستحيلات العقلية لأشياء لا يمكن وجودها أصلًا السؤال الشهير: هل يستطيع الله أن يخلق صخرة لا يستطيع حملها؟ والإجابة: لا يوجد صخرة مخلوقة لا يستطيع الله أن يحملها، فهي إما مخلوقة يستطيع حملها: وإما أنك تتحدث عن صخرة لا وجود لها، ومثل ذلك قولهم: هل يستطيع الله أن يخلق إلهًا مثله؟ والإجابة: هذا الثاني الذي سيخلقه الله لن يكون إلهًا مثله لأنه (مخلوق) في حين الله (خالق) فكيف سيكون (مثله) ؟ إذن أنت تتحدث عن شيء غير موجود أصلًا وغير ممكن!! وعلى هذا قس كل الأسئلة (المفخخة) التي تحوي مستحيلات عقلية، مثل هل يستطيع الله أن يكون شريرًا؟ أن يكون ناقصًا؟ أن يقتل نفسه؟ إلخ،
(1) في سعي علماء الفيزياء والفيزياء النظرية للوصول إلى أصغر مكون للمادة في الوجود، وصلوا لاكتشاف الذرات وظنوا لفترة كبيرة أنها أصغر شيء، ثم اكتشفوا آثارًا لجسيمات داخل الذرة واكتشفوا نواة، ثم اكتشفوا ما هو أصغر من ذلك ويربط هذه الجسيمات مع بعضها البعض ... وهكذا كل فترة يكتشفون شيئًا أصغر، وهنا ظهرت فكرة الأوتار الفائقة كـ (افتراض) نظري لا دليل عليه يقول أن أصغر مكون لكل هذه الجسيمات الصغيرة جدًا هي أوتار فائقة الصغر لحد رهيب، وأنها تقع في 11 بعدًا وليس 4 أبعاد كما نعلم (الطول والعرض والارتفاع والزمن) ولذلك يصعب جدًا أو يستحيل رصدها، وأنه حسب اهتزاز كل وتر بطريقة معينة ينتج عنه جسيم معين.