*** (إنه عليم بذات الصدور) تعليل لما سبق أي فسواء في علم الله الإسرار والجهر لأن علمه محيط بما يختلج في صدور الناس بله ما يسرون به من الكلام ولذلك جيء بوصف عليم إذ العليم من أمثلة المبالغة.
*** و (ذات الصدور) ما يتردد في النفس من الخواطر والتقادير والنوايا على الأعمال. وهو مركب من (ذات) التي هي مؤنث (ذو) بمعنى صاحب والصدور بمعنى العقول وشأن (ذو) أن يضاف إلى ما فيه رفعة.
*** هنا حقيقة كونية هامة وردت في القرآن اثنتي عشرة مرة فهي قاعدة ينبغي أن يعرفها كل مسلم و هي أن الله سبحانه عليم بذات الصدور و أن الصدور له سبحانه أظهر من الصفحة المكشوفة.
فالله عليم فوق كل ذي علم مهما بلغ و علمه سبحانه لا حد له و لا يُعلم مداه أحاط علمه بكل شيء الظواهر و البواطن و الدقيق و الجليل و الماضي و الحاضر و المستقبل و في قصة الخضر و موسي عليهما السلام في البخاري"فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ الْخَضِرُ يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْرِ".
الله يعلم ما كان و ما سيكون و ما لم يكن لو كان كيف كان سيكون فالله تعالى عليم و هي من صيغ المبالغة و ليس فقط عالم بكل شيء.
و لكن الدلالة هنا في الآية على علم خاص و هو علم ما في الصدور فالإسرار: الإخفاء و الجهر معلوم و في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت للنبي (ص) :"مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ قال: نَعَمْ".
فالله سبحانه يعلم ظواهر العباد و بواطنهم و ما يجيش في صدورهم و الخطرات التي تخطر ببالهم و نياتهم و عزمهم و أمرهم كله بل إن أحدنا أحيانا لا يعلم على وجه الجزم ما سيفعل لو حدث له كذا و كذا لكن الله يعلم ما هو فاعل جزمت و يقينا و هذا من عظمة ملك الله أنه أحاط علمه بكل موجود ظاهر و باطنا.
و ليس ذلك قاصرا على الإنس فقط بل الإنس و الجن و الملائكة و كل مخلوق قال تعالى للملائكة"ألم أقل لكم أني أعلم غيب السماوات و الأرض و أعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون".
و هذه الآية ملحقة بما قبلها فالظاهر عندي أن الخطاب عام يشمل البشر جميعا أهل الخشية و أهل الكفر فهو لأهل الكفر نذارة و وعيد أن الله يعلم ما يعملون و ما يسرون و علانيتهم و سرهم عنده سواء لأنه عليم بما في صدورهم فهو سبحانه يعلم تكذيبهم للرسل و إيذائهم لهم و تضليلهم له و فوق ذلك يعلم ما تضمره قلوبهم من الشر و ما أضمرته و ما منعهم العجز منه فهم مكشوفين مفضوحين محاصرين بعلمه سبحانه فقبل أن يستطيعوا أن يفعلوا ما يغضب الله هو سبحانه عليم بأول خطرة جاءتهم بهذا الفعل حتى قيل أن تخطر ببالهم و عليم فيم يفكرون و لن يقتصر علمه على أحوالهم في الدنيا بل في البرزخ و الآخرة أيضا.
و هو لأهل الإيمان و الخشية المذكورين في الآية السابقة تسلية و ترجية و تحذير أن الله عليم بقلوب أعدائهم و أفعالهم و أقوالهم - فلا تبتئسوا و لا تحسبوا الله غافلا عما يعمل الظالمون - و هو يعلم ما في قلوبكم من خشيته ومحبته و عقد العزم على طاعته و نصرته فابشروا و اصلحوا سرائركم.