وفي الموطأ عن سفيان بن أبي زهير قال: سمعت رسول الله يقول: =تفتح اليمن فيأتي قوم يبِسّون (1) ، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح العراق فيأتي قوم يبِسّون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح الشام فيأتي قوم يبِسّون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون+.
للعلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور
المقام الأول
في الحرية والمساواة في الشريعة الإسلامية
وهو مقام يستدعى شيئًا من الإطالة؛ ليكون الحكم فيه على شيء مضبوط، فلا يظن أحد أن الإسلام دعا إلى الحرية والمساواة على الإطلاق أو على الإجمال؛ لأن هنالك حدودًا دقيقة بعضها محمود وبعضها ضارٌّ مذموم.
الحرية:
لا تجد لفظًا تهواه النفوس، وتهش لسماعه، وتستزيد من الحديث فيه _ مع أن معظمهم لا يضبط مقدار المراد منه _ مثلَ لفظِ الحرية.
وما سبب ذلك التعلق العام إلا أن معظم من يسمعون هذا اللفظ، أو ينطقون به يحملونه على محامل يخف محملها في نفوسهم.
فالوقح يحسب الوقاحة حرية، فيخف عنده ما ينكره الناس من وقاحته، والجريء الفاتك ينمي صنيعه إليها، فيجد من ذلك مبررًا لجرأته، ومحب الثورة يعد الحرية مسوغًا لدعوته، والمَفْتون في اعتقاده يدافع الناقمين عليه بأنه حر العقيدة إلى غير هؤلاء.
فيا لله لهذا المعنى الحسن ماذا لقي من المحن، وماذا عُدِل به عن خير سنن؟
والتحقيق أن الحرية إنما يُعنى بها السلامةُ من الاستسلام إلى الغير بقدر ما تسمح به الشريعة والأخلاق الفاضلة.
(1) يبسون بكسر الباء الموحدة وتشديد السين المهملة مضارع بسّ بمعنى سار.
(2) الهداية الإسلامية، الجزء التاسع والعاشر، المجلد السادس، ربيع الأول وربيع الثاني 1353 هـ