إن في أخلاق النبي"وسجاياه التي لا تشتمل على مثلها نفس بشرية ما يغنيه عن خارقة تأتيه من الأرض أو السماء، أو الماء أو الهواء."
إن ما كان يبهر العرب من معجزات علمه، وحلمه، وصبره، واحتماله، وتواضعه، وإيثاره، وصدقه، وإخلاصه _ أكثر مما كان يبهرهم من معجزات تسبيح الحصى وانشقاق القمر، ومشي الشجر، ولين الحجر؛ وذلك لأنه ما كان يريبهم في الأولى ما كان يريبهم في الأخرى، من الشبه بينها، وبين عرافة العرافين، وكهانة الكهنة، وسحر السحرة، فلولا صفاته النفسية، وغرائزه، وكمالاته ما نهضت له الخوارق بكل ما يريده، ولا تركت له المعجزات في نفوس العرب ذلك الأثر الذي تركته؛ ذلك هو معنى قوله _تعالى_: [وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ] آل عمران: 159.
كان"شجاع القلب، فلم يهب أن يدعو إلى التوحيد قومًا مشركين يعلم أنهم غلاظ جفاة، شرسون، متنمرون، يغضبون لدينهم غضبهم لأعراضهم، ويحبون آلهتهم حبهم لأبنائهم."
كان على ثقة من نجاح دعوته، فكان يقول لقريش _ أشد ما كانوا هزءًا به وسخرية_: =يا معشر قريش والله لا يأتي عليكم غير قليل؛ حتى تعرفوا ما تنكرون، وتحبوا ما أنتم له كارهون+.
كان حليمًا سمح الأخلاق؛ فلم يزعجه أن كان قومه يؤذونه، ويزدرونه، ويشعثون (1) منه، ويضعون التراب على رأسه، ويلقون على ظهره أمعاء الشاة، وسلى (2) الجزور، وهو في صلاته، بل كان يقول: =اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون+.
كان واسع الأمل، كبير الهمة، صلب النفس، لبث في قومه ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله فلا يلبي دعوته إلا الرجل بعد الرجل، فلم يبلغ الملل من نفسه، ولم يخلص اليأس إلى قلبه، فكان يقول: =والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك دونه فيه ما تركته+.
(1) يقال شعث فلان من فلان: تنقصه.
(2) السلى للدواب بمنزلة المشيمة للإنسان.