وما زال هذا شأنه حتى علم أن مكة لن تكون مبعث الدعوة، ولا مطلع تلك الشمس المشرقة، فهاجر إلى المدينة؛ فانتقل الإسلام بانتقاله من السكون إلى الحركة، ومن طور الخفاء إلى طور الظهور، لذلك كانت الهجرة مبدأ تاريخ الإسلام؛ لأنها أكبر مظهر من مظاهره.
لقد لقي"في هجرته عناءً كثيرًا ومشقةً عظمى؛ فإن قومه كانوا يكرهون مهاجرته لا ضنًا به، بل مخافة أن يجد في دار هجرته من الأعوان والأنصار ما لم يجد بينهم، كأنما يشعرون بأنه طالب حق، وأن طالب الحق لابد أن يجد بين المحقين أعوانًا وأنصارًا، فوضعوا عليه العيون والجواسيس؛ فخرج من بينهم ليلة الهجرة متنكرًا بعد ما ترك في فراشه ابن عمه علي بن أبي طالب ÷ عبثًا بهم، وتضليلًا لهم عن اللحاق به."
ومشى هو وصاحبه أبو بكر ÷ يتسلقان الصخور، ويتسربان في الأغوار والكهوف، ويلوذان بأكناف الشعاب والهضاب، حتى انقطع عنهما، وتم لهما ما أرادا بفضل الصبر والثبات على الحق.
إن حياة النبي"أعظم مثال يجب أن يحتذيه المسلمون للوصول إلى التخلق بأشرفِ الأخلاق، والتحلي بأكرمِ الخصال، وأحسنُ مدرسة يجب أن يتعلموا فيها كيف يكون الصدق في القول، والإخلاص في العمل، والثبات على الرأي _ وسيلةً إلى النجاح، وكيف يكون الجهاد في سبيل الحق سببًا في علوه على الباطل."
لا حاجة لنا بتاريخ حياة فلاسفة اليونان، وحكماء الرومان، وعلماء الإفرنج؛ فلدينا في تاريخنا حياة شريفة مملوءة بالجد والعمل، والبر والثبات، والحب والرحمة، والحكمة والسياسة، والشرف الحقيقي، والإنسانية الكاملة، وهي حياة نبينا"وحسبنا بها وكفى."
(1) وحي القلم 2/ 5.
(2) هو الأديب الكبير مصطفى صادق بن عبد الرزاق الرافعي ولد سنة 1298 هـ ببلدة بهتيم بمحافظة القليوبية بمصر، وقضى شطرًا من صباه فيها والتحق بمدرستها الابتدائية.
ثم انتقل أبوه إلى المنصورية فانتقل معه والتحق بالابتدائية هناك، وتخرج فيها سنة 1315 هـ، ثم أصيب بالمرض الذي أضعف صوته، وأفضى بسمعه إلى الصم؛ فانقطع عن الدراسة، وأقبل على مكتبة أبيه الزاخرة بصنوف الكتب، وكان أبوه من علماء الأزهر لذا كان مجلسه عامرًا بالعلماء والأدباء، ومكتبته زاخرة بنفائس الكتب.
ومن هذه المصادر الثلاثة _ والده ,مكتبة والده ,مرتادو مجلس والده _ استقى الرافعي علمه وتحصيله، ثم نقل والده الشيخ عبد الرزاق إلى طنطا قاضيًا بمحكمتها, فانتقل معه ابنه مصطفى , وعُيِّن كاتبًا في المحكمة، وكان مثال النشاط والإخلاص في عمله الذي لم يصرفه عن الإقبال على القراءة والكتابة.
انتخب الرافعي للمجمع العلمي بدمشق، وكان منزله ومكتبه ومقهى لمنوس أماكن يرتادها تلامذة الرافعي ومحبوه، يتلقى أسئلتهم، ويجيب عليها بصدر رحب.
ويعد الرافعي في زمانه حامل أدب الأصالة، ورافع راية البلاغة؛ فهو الرجل الذي وقف قلمه وبيانه في سبيل الدفاع عن القرآن ولغة القرآن.
وقد بدأ حياته شاعرًا, إلا أنه أقبل على الكتابة في أواخر عمره، وكانت صلته بالصحف مبكرة؛ حيث أقبل عليها يودعها مقالاته وبحوثه التي كان يطرق بها كل ميدان؛ فكان يعالج قضايا المجتمع كالفقر, والجهل, و السفور, والرد على مطاعن أعداء الإسلام.
له مؤلفات عديدة، ومنها: تاريخ آداب العرب، وحديث القمر، ورسائل الأحزان، والسحاب الأحمر، وأوراق الورد، وتحت راية القرآن.
وخير كتبه كتاب وحي القلم، ويقع في ثلاث مجلدات، وكان حصيلة ما كتب في مجلة الرسالة، وله مؤلفات عديدة غيرها، وقد ضاع كثير مما كتب بسبب رداءة خطه، توفي× عام 1356 هـ.