فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 181

الإشراق الإلهي وفلسفة الإسلام (1)

للأديب مصطفى صادق الرافعي (2)

كما تطلع الشمسُ بأنواعها فتُفَجِّرُ ينبوعَ الضوء المسمَّى النهار يولَد النبيُّ فيوجد في الإنسانية ينبوع النور المسمَّى بالدين، وليس النهار إلا يقظةَ الحياة تحقِّقُ أعمالَها، وليس الدينُ إلا يقظة النفس تحقق فضائلَها.

وَرَعَشَاتُ الضوء من الشمس هي قصة الهداية للكون في كلام من النور، وأشعة الوحي في النبي هي قصة الهداية لإنسان الكون في نور من الكلام.

والعامل الإلهيُّ العظيم يعملُ في نظام النفس والأرضِ بأداتين متشابهتين:

أجرام النور من الشموس والكواكب، وأجرام العقل من الرُّسُلِ والأنبياء.

فليس النبي إنسانًا من العظماء يقرأ تاريخه بالفكر معه المنطق، ومع المنطق الشك، ثم يدرس بكل ذلك على أصول الطبيعة البشريةِ العامة؛ ولكنه إنسانٌ نجميٌ يقرأ بمثل =التلسكوب+ في الدقة، معه العلم، ومع العلم الإيمان؛ ثم يدرس بكل ذلك على أصول طبيعته النورانية وحدها.

والحياةُ تنشئ علم التاريخ، ولكن هذه الطريقة في درس الأنبياء _ صلوات الله عليهم _ تجعل التاريخ هو ينشئ علم الحياة؛ فإنما النبي إشراقٌ إلهيٌ على الإنسانية، يُقَوِّمُها في فلكها الأخلاقي، ويجذبُها إلى الكمال في نظامٍ هو بعينه صورة لقانون الجاذبية في الكواكب.

ويجيء النبي فتجيء الإلهية معه في مثل بلاغة الفن البياني، لتكون أقوى أثرًا، وأيسر فهمًا، وأبدع تمثيلًا، وليس عليها خلاف ٌ من الحس.

وهذا هو الأسلوب الذي يجعلُ إنسانًا واحدًا فَنَّ الناسِ جميعًا، كما تكونُ البلاغةُ فنَّ لغة بأكملها؛ هو الشخص المفسر إذا تعسف الناسُ الحياةَ لا يدرون أين يؤمنون منها، ولا كيف يتَهدَّون فيها، فتضطرب الملايين من البشرية اضطرابها فيما تنقبض عنه وتتهالك فيه من أطماع الدنيا، ثم يخلق رجل واحد؛ ليكون هو التفسيرَ لما مضى وما يأتي، فتظهرَ به حقائقُ الآداب العالية في قالب من الإنسان العامل المرئي أبلغ مما تظهر في قصة متكلمة مروية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت