ولقد أصاب الذين اختاروا للتعبير عن هذا المعنى في العربية لفظ الحرية؛ لأن الحرية في كلام العرب ضد الرق، وقد شاع عند العرب أن يلصقوا مَذامَّ الصفات النفسانية بالرق؛ إذ قد عرى العبيد عندهم عن الاهتمام باكتساب الفضائل، وزهدوا في خصال الكمال، قال ابن زيابة:
إنك يا عمر وَتَرْكَ الندى ... كالعبد إذ قَيَّدَ أجمالَه (1)
ولما استصرخ شداد العبسي ابنه عنترة؛ ليرد غارات عدوهم _ وكان عنترة ابن أمة كما هو مشهور، وكان أبوه يأبى أن يعده في عداد بنيه بل جعله عبدًا له على عادة أهل الجاهلية _ أجابه عنترة بقوله: =العبد لا يحسن الكر وإنما يحسن الحلاب والصر+ (2) .
فقال له شداد =كر وأنت حر+.
وبضد ذلك جعلوا الفضائل من سمات الأحرار قال جعفر بن علبة الحارثي:
ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها
وقال الراجز الجاهلي:
لن يُسْلِمَ ابنُ حرةٍ زَميلَه ... حتى يموت أو يرى سبيله
وقال مخيس بن أرطاة التميمي:
فقلت له تجنب كل شيء ... يعاب عليك إن الحرَّ حرُّ
قال المبرد: =يعني أن الحر على الأخلاق التي عهدت في الأحرار وكما كنت تعهد+. ا. هـ يعني وأنت حر فلا تخالف خلق الأحرار.
حتى لقد احتاج بعض أصحاب الأخلاق الحميدة من عبيدهم إلى إعلان الاختلاف بين حال عبودية شخصه، وكرم نفسه كما قال حية النوبي الملقب بـ: سحيم عبد بني الحسحاس:
إن كنت عبدًا فنفسي حرة كرمًا ... أو أسود اللون أني أبيض الخلق
دعوة الإسلام إلى الحرية:
الحرية وصف فطري في البشر؛ فإننا نرى المولود ييفع حرًَّا لا يعرف للتقييد شبحًا.
وإذ قد كان الإسلام دين الفطرة كما وصفه الله _ تعالى _ بقوله: [فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا] الروم:30
فكل ما هو من أصل الفطرة فهو من شعب الإسلام ما لم يمنعه مانع.
(1) فإنه إذا قيَّد جِمَال سيده يرى أنه قد أتم واجبه كله.
(2) الصر: شد ضرع الناقة عند الحلب.